محمد بن جرير الطبري
54
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قَبْلُ أن يبلغ الشيخوخة وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى يقول : ولتبلغوا ميقاتا مؤقتا لحياتكم ، وأجلا محدودا لا تجاوزونه ، ولا تتقدمون قبله وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يقول : وكي تعقلوا حجج الله عليكما بذلك ، وتتدبروا آياته فتعرفوا بها أنه لا إله غيره فعل ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهم يا محمد : هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ يقول قل لهم : ومن صفته جل ثناؤه أنه هو الذي يحيي من يشاء بعد مماته ، ويميت من يشاء من الأحياء بعد حياته و فَإِذا قَضى أَمْراً يقول : وإذا قضى كون أمر من الأمور التي يريد تكوينها فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ يعني للذي يريد تكوينه كن ، فيكون ما أراد تكوينه موجودا بغير معاناة ، ولا كلفة مؤنة . وقوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ألم تر يا محمد هؤلاء المشركين من قومك ، الذين يخاصمونك في حجج الله وآياته أَنَّى يُصْرَفُونَ يقول : أي وجه يصرفون عن الحق ، ويعدلون عن الرشد كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَنَّى يُصْرَفُونَ أنى يكذبون ويعدلون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَنَّى يُصْرَفُونَ قال : يصرفون عن الحق . واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية ، فقال بعضهم : عنى بها أهل القدر . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، قالا : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن داود بن أبي هند عن محمد بن سيرين ، قال : إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية ، فإني لا أدري فيمن نزلت : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ إلى قوله : لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ . حدثني علي ابن سهل ، قال : ثنا زيد بن أبي الزرقاء ، عن سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن ابن سيرين ، قال : إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي ، عن أبي قبيل ، قال : أخبرني عقبة بن عامر الجهني ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " سيهلك من أمتي أهل الكتاب ، وأهل اللين " فقال عقبة : يا رسول الله ، وما أهل الكتاب ؟ قال : " قوم يتعلمون كتاب الله يجادلون الذين آمنوا " ، فقال عقبة : يا رسول الله ، وما أهل اللين ؟ قال : " قوم يتبعون الشهوات ، ويضيعون الصلوات " . قال أبو قبيل : لا أحسب المكذبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين أمنوا ، وأما أهل اللين ، فلا أحسبهم إلا أهل العمود ليس عليهم إمام جماعة ، ولا يعرفون شهر رمضان . وقال آخرون : بل عنى به أهل الشرك . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ قال : هؤلاء المشركون . والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد ؛ وقد بين الله حقيقة ذلك بقوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا . . . إِذِ الْأَغْلالُ . . . تُشْرِكُونَ . . . الْكافِرِينَ يقول تعالى ذكره : ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذبوا بكتاب الله ، وهو هذا القرآن ؛ و " الذين " الثانية في موضع خفض ردا لها على " الذين " الأولى على وجه النعت وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا