محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ما أَقُولُ لَكُمْ فقلت له : أو ذلك في الآخرة ؟ قال : نعم . وقوله : وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ يقول : وأسلم أمري إلى الله ، وأجعله إليه وأتوكل عليه ، فإنه الكافي من توكل عليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ قال : أجعل أمري إلى الله . وقوله : إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ يقول : إن الله عالم بأمور عباده ، ومن المطيع منهم ، والعاصي له ، والمستحق جميل الثواب ، والمستوجب سيئ العقاب . وقوله : فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا يقول تعالى ذكره : فدفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعون بإيمانه وتصديق رسوله موسى ، مكروه ما كان فرعون ينال به أهل الخلاف عليه من العذاب والبلاء ، فنجاه منه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا قال : وكان قبطيا من قوم فرعون ، فنجا مع موسى ، قال : وذكر لنا أنه بين يدي موسى يومئذ يسير ويقول : أين أمرت يا نبي الله ؟ فيقول : أمامك ، فيقول له المؤمن : وهل أمامي إلا البحر ؟ فيقول موسى : لا والله ما كذبت ولا كذبت ، ثم يسير ساعة ويقول : أين أمرت يا نبي الله ؟ فيقول : أمامك ، فيقول : وهل أمامي إلا البحر ، فيقول : لا والله ما كذبت ، ولا كذبت ، حتى أتى على البحر فضربه بعصاه ، فانفلق اثني عشر طريقا ، لكل سبط طريق . وقوله : وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ يقول : وحل بآل فرعون ووجب عليهم ؛ وعني بآل فرعون في هذا الموضع تباعه وأهل طاعته من قومه ، كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قول الله : وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ قال : قوم فرعون . وعني بقوله : سُوءُ الْعَذابِ ما ساءهم من عذاب الله ، وذلك نار جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا يقول تعالى ذكره مبينا عن سوء العذاب الذي حل بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب الله النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها إنهم لما هلكوا وغرقهم الله ، جعلت أرواحهم في أجواف طير سود ، فهي تعرض على النار كل يوم مرتين غُدُوًّا وَعَشِيًّا إلى أن تقوم الساعة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي قيس ، عن الهذيل بن شرحبيل ، قال : أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار ، وذلك عرضها . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : بلغني أن أرواح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار غدوا وعشيا ، حتى تقوم الساعة . حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير ، قال : ثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي ، قال : سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال : رحمك الله ، رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضا ، فوجا فوجا ، لا يعلم عددها إلا الله ، فإذا كان العشي رجع مثلها سودا ، قال : وفطنتم إلى ذلك ؟ قالوا : نعم ، قال : إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا ، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها ، وصارت سوداء ، فتنبت عليها من الليل رياش بيض ، وتتناثر السود ، ثم تغدو ، ويعرضون على النار غدوا وعشيا ، ثم ترجع إلى وكورها ، فذلك دأبها في الدنيا ؛ فإذا كان يوم القيامة ، قال الله أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ قالوا : وكانوا يقولون : إنهم ست مئة ألف مقاتل . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني حرملة ، عن سليمان بن حميد ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : ليس في الآخرة ليل ولا نصف نهار ، وإنما هو بكرة وعشي ،