محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وذلك في القرآن في آل فرعون يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وكذلك قال لأهل الجنة لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا . وقيل : عنى بذلك : أنهم يعرضون على منازلهم في النار تعذيبا لهم غدوا وعشيا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا قال : يعرضون عليها صباحا ومساء ، يقال لهم : يا آل فرعون هذه منازلكم ، توبيخا ونقمة وصغارا لهم . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : غُدُوًّا وَعَشِيًّا قال : ما كانت الدنيا . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا . وجائز أن يكون ذلك العرض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهذيل ومن قال مثل قوله ، وأن يكون كما قال قتادة ، ولا خبر يوجب الحجة بأن ذلك المعني به ، فلا في ذلك إلا ما دل عليه ظاهر القرآن ، وهم أنهم يعرضون على النار غدوا وعشيا ، وأصل الغدو والعشي مصادر جعلت أوقاتا . وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك : إنما هو مصدر ، كما تقول : أتيته ظلاما ؛ جعله ظرفا وهو مصدر . قال : ولو قلت : موعدك غدوة ، أو موعدك ظلام ، فرفعته ، كما تقول : موعدك يوم الجمعة ، لم يحسن ، لأن هذه المصادر وما أشبهها من نحو سحر لا تجعل إلا ظرفا ؛ قال : والظرف كله ليس بمتمكن ؛ وقال نحويو الكوفة : لم يسمع في هذه الأوقات ، وإن كانت مصادر ، إلا التعريب : موعدك يوم موعدك صباح ورواح ، كما قال جل ثناؤه : غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ فرفع ، وذكروا أنهم سمعوا : إنما الطيلسان شهران ، قالوا : ولم يسمع في الأوقات النكرات إلا الرفع إلا قولهم : إنما سخاؤك أحيانا ، وقالوا : إنما جاز ذلك لأنه بمعنى : إنما سخاؤك الحين بعد الحين ، فلما كان تأويله الإضافة نصب . وقوله : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ اختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قراء أهل الحجاز والعراق سوى عاصم وأبي عمرو وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ بفتح الألف من أدخلوا في الوصل والقطع بمعنى : الأمر بإدخالهم النار . وإذا قرئ ذلك كذلك ، كان الآل نصبا بوقوع أدخلوا عليه ، وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو : " ويوم تقوم الساعة أدخلوا " بوصل الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ ، وبضمها إذا ابتدئ بعد الوقف على الساعة ، ومن قرأ ذلك كذلك ، كان الآل على قراءته نصبا بالنداء ، لأن معنى الكلام على قراءته : ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . فمعنى الكلام إذن : ويوم تقوم الساعة يقال لآل فرعون : ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب ، فهذا على قراءة من وصل الألف من ادخلوا ولم يقطع ، ومعناه على القراءة الأخرى ، ويوم تقوم الساعة يقول الله لملائكته أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ يقول : وإذ يتخاصمون في النار . وعنى بذلك : إذ يتخاصم الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنذارهم من مشركي قومه في النار ، فيقول الضعفاء منهم وهم المتبعون على الشرك بالله إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً تقول لرؤسائهم الذين اتبعوهم على الضلالة : إنا كنا لكم في الدنيا تبعا على الكفر بالله فَهَلْ