محمد بن جرير الطبري
44
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ قال : التباب والضلال واحد . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ . . . دارُ الْقَرارِ يقول تعالى ذكره مخبرا عن المؤمن بالله من آل فرعون وَقالَ الَّذِي آمَنَ من قوم فرعون لقومه : يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يقول : إن اتبعتموني فقبلتم مني ما أقول لكم ، بينت لكم طريق الصواب الذي ترشدون إذا أخذتم فيه وسلكتموه وذلك هو دين الله الذي ابتعث به موسى . يقول : إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ يقول لقومه : ما هذه الحياة الدنيا العاجلة التي عجلت لكم في هذه الدار إلا متاع تستمتعون بها إلى أجل أنتم بالغوه ، ثم تموتون وتزول عنكم وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ يقول : وإن الدار الآخرة ، وهي دار القرار التي تستقرون فيها فلا تموتون ولا تزول عنكم ، يقول : فلها فاعملوا ، وإياها فاطلبوا . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ استقرت الجنة بأهلها ، واستقرت النار بأهلها . القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى . . . يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ يقول : من عمل بمعصية الله في هذه الحياة الدنيا ، فلا يجزيه الله في الآخرة إلا سيئة مثلها ، وذلك أن يعاقبه بها ؛ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى يقول : ومن عمل بطاعة الله في الدنيا ، وائتمر لأمره ، وانتهى فيها عما نهاه عنه من رجل أو امرأة ، وهو مؤمن بالله فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يقول : فالذين يعملون ذلك من عباد الله يدخلون في الآخرة الجنة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها أي شركا ، " السيئة عند قتادة شرك " وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً أي خيرا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ وقوله : يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ يقول : يرزقهم الله في الجنة من ثمارها ، وما فيها من نعيمها ولذاتها بغير حساب ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ قال : لا والله ما هنا كم مكيال ولا ميزان . القول في تأويل قوله تعالى : وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي . . . أُشْرِكَ بِهِ . . . الْغَفَّارِ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن لقومه من الكفرة : ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ من عذاب الله وعقوبته بالإيمان به ، واتباع رسوله موسى ، وتصديقه فيما جاءكم به من عند ربه وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ يقول : وتدعونني إلى عمل أهل النار . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قالة : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ قال : الإيمان بالله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ قال هذا مؤمن آل فرعون ، قال : يدعونه إلى دينهم والإقامة معهم . وقوله : تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ يقول : وأشرك بالله في عبادته أوثانا ، لست أعلم أنه يصلح لي عبادتها وإشراكها في عبادة الله ، لأن الله لم يأذن لي في ذلك بخبر ولا عقل . وقوله : وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ يقول : وأنا أدعوكم إلى عبادة العزيز في انتقامه ممن كفر به ، الذي لا يمنعه إذا انتقم عدو له شيء ، الغفار لمن تاب إليه بعد معصيته