محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ . . . عِنْدَ الَّذِينَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون : الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ فقوله " الذين " مردود على " من " في قوله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ . وتأويل الكلام : كذلك يضل الله أهل الإسراف والغلو في ضلالهم بكفرهم بالله ، واجترائهم على معاصيه ، المرتابين في أخبار رسله ، الذين يخاصمون في حججه التي أتتهم بها رسله ليدحضوها بالباطل من الحجج بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ يقول : بغير حجة أتتهم من عند ربهم يدفعون بها حقيقة الحجج التي أتتهم بها الرسل ؛ و " الذين " إذا كان معنى الكلام ما ذكرنا في موضع نصب ردا على " من " . وقوله : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ يقول : كبر ذلك الجدال الذي يجادلونه في آيات الله مقتا عند الله ، وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ؛ وإنما نصب قوله : مَقْتاً لما في قوله كَبُرَ من ضمير الجدال ، وهو نظير قوله : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ فنصب كلمة من نصبها ، لأنه جعل في قوله : كَبُرَتْ ضمير قولهم : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً وأما من لم يضمر ذلك فإنه رفع الكلمة . وقوله : كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ يقول : كما طبع الله على قلوب المسرفين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله أن يوحده ، ويصدق رسله . جبار : يعني متعظم عن اتباع الحق . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار ، خلا أبي عمرو بن العلاء ، على : كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بإضافة القلب إلى المتكبر ، بمعنى الخبر عن أن الله طبع على قلوب المتكبرين كلها ؛ ومن كان ذلك قراءته ، كان قوله " جبار " . من نعت " متكبر " . وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك " كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر جبار " . حدثني بذلك ابن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثني حجاج ، عن هارون أنه كذلك في حرف ابن مسعود . وهذا الذي ذكر عن ابن مسعود من قراءته يحقق قراءة من قرأ ذلك بإضافة قلب إلى المتكبر ، لأن تقديم " كل " قبل القلب وتأخيرها بعده لا يغير المعنى ، بل معنى ذلك في الحالتين واحد . وقد حكي عن بعض العرب سماعا : هو يرجل شعره يوم كل جمعة ، يعني : كل يوم جمعة . وأما أبو عمرو فقرأ ذلك بتنوين القلب وترك إضافته إلى متكبر ، وجعل المتكبر والجبار من صفة القلب . وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بإضافة القلب إلى المتكبر ، لأن التكبر فعل الفاعل بقلبه ، كما أن القاتل إذا قتل قتيلا وإن كان قتله بيده ، فإن الفعل مضاف إليه ، وإنما القلب جارحة من جوارح المتكبر . وإن كان بها التكبر ، فإن الفعل إلى فاعله مضاف ، نظير الذي قلنا في القتل ، وذلك وإن كان كما قلنا ، فإن الأخرى غير مدفوعة ، لأن العرب لا تمنع أن تقول : بطشت يد فلان ، ورأت عيناه كذا ، وفهم قلبه ، فتضيف الأفعال إلى الجوارح ، وإن كانت في الحقيقة لأصحابها . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي . . . أَسْبابَ . . . عَنِ السَّبِيلِ يقول تعالى ذكره : وقال فرعون لما وعظه المؤمن من آله بما وعظه به وزجره عن قتل موسى نبي اله وحذره من بأس الله على قيله أقتله ما حذره لوزيره وزير السوء هامان : يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ يعني بناء . وقد بينا معنى الصرح فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ اختلف أهل التأويل في معنى الأسباب في هذا الموضع ، فقال بعضهم : أسباب السماوات : طرقها . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن