محمد بن جرير الطبري

41

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

السبعة صفوف من الملائكة ، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه ، فذلك قول الله : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ وذلك قوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ وقوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ وذلك قوله : وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله يَوْمَ التَّنادِ قال : تندون . وروي عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك : " يوم التناد ي " بإثبات الياء وتخفيف الدال . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار ، وهو تخفيف الدال وبغير إثبات الياء ، وذلك أن ذلك هو القراءة التي عليها الحجة مجمعة من قراء الأمصار ، وغير جائز خلافها فيما جاءت به نقلا . فإذا كان ذلك هو الصواب ، فمعنى الكلام : ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضا ، إما من هول ما قد عاينوا من عظيم سلطان الله ، وفظاعة ما غشيهم من كرب ذلك اليوم ، وإما لتذكير بعضهم بعضا إنجاز الله إياهم الوعد الذي وعدهم في الدنيا ، واستغاثة من بعضهم ببعض ، مما لقي من عظيم البلاء فيه . وقوله : يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ فتأويله على التأويل الذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوم يولون هاربين في الأرض حذار عذاب الله وعقابه عند معاينتهم جهنم . وتأويله على التأويل الذي قاله قتادة في معنى يَوْمَ التَّنادِ يوم تولون منصرفين عن موقف الحساب إلى جهنم . وبنحو ذلك روي الخبر عنه ، وعمن قال نحو مقالته في معنى يَوْمَ التَّنادِ . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر ، قال . ثنا يزيد ، قال . ثنا سعيد ، عن قتادة يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي منطلقا بكم إلى النار . وأولى القولين في ذلك بالصواب ، القول الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحق ، وبه قال جماعه من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال . ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ قال : فارين غير معجزين . وقوله : ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يقول : ما لكم من الله مانع يمنعكم ، وناصر ينصركم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال . ثنا سعيد ، عن قتادة ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي من ناصر . وقوله : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ يقول : ومن يخذله الله فلم يوفقه لرشده ، فما له من موفق يوفقه له . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ . . . يَبْعَثَ اللَّهُ يقول تعالى ذكره : ولقد جاءكم يوسف بن يعقوب يا قوم من قبل موسى بالواضحات من حجج الله ، كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ قال : قبل موسى . وقوله : فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ يقول : فلم تزالوا مرتابين فيما أتاكم به يوسف من عند ربكم غير موقني القلوب بحقيقته حَتَّى إِذا هَلَكَ يقول : حتى إذا مات يوسف قلتم أيها القوم : لن يبعث الله من بعد يوسف إليكم رسولا بالدعاء إلى الحق كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ يقول : هكذا يصد الله عن إصابة الحق وقصد السبيل من هو كافر به مرتاب ، شاك في حقيقة أخبار رسله . القول