محمد بن جرير الطبري
22
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : أبيت ؛ قالوا : أربعون سنة ؟ قال : أبيت ؛ " ثم ينزل الله من السماء ماء فتنبتون كما ينبت البقل ، قال : وليس من الإنسان شيء إلا يبلى ، إلا عظما واحدا ، وهو عجب الذنب ، ومنه يركب الخلق يوم القيامة " . حدثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا البلخي بن إياس ، قال : سمعت عكرمة يقول في قوله فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ الآية ، قال : الأولى من الدنيا ، والأخيرة من الآخرة . حدثنا بشر قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ قال نبي الله : " بين النفختين أربعون " قال أصحابه : فما سألناه عن ذلك ، ولا زادنا على ذلك ، غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة . وذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له مطر الحياة ، حتى تطيب الأرض وتهتز ، وتنبت أجساد الناس نبات البقل ، ثم ينفخ فيه الثانية فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ قال : ذكر لنا أن معاذ بن جبل ، سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم : كيف يبعث المؤمنون يوم القيامة ؟ قال : " يبعثون جردا مردا مكحلين بني ثلاثين سنة " . وقوله : فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ يقول : فإذا من صعق عند النفخة التي قبلها وغيرهم من جميع خلق الله الذين كانوا أمواتا قبل ذلك قيام من قبورهم وأماكنهم من الأرض أحياء كهيئتهم قبل مماتهم ينظرون أمر الله فيهم ، كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ قال : حين يبعثون . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها . . . وَالشُّهَداءِ . . . لا يُظْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : فأضاءت الأرض بنور ربها ، يقال : أشرقت الشمس . إذا صفت وأضاءت ، وأشرقت : إذا طلعت ، وذلك حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين خلقه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها قال : فما يتضارون في نوره إلا كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه . حدثنا محمد ، قال ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها قال : أضاءت . وقوله وَوُضِعَ الْكِتابُ يعني كتاب أعمالهم لمحاسبتهم ومجازاتهم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال ثنا سعيد ، عن قتادة وَوُضِعَ الْكِتابُ قال : كتب أعمالهم . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَوُضِعَ الْكِتابُ قال : الحساب . وقوله : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ يقولك وجيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم ، وردت عليهم في الدنيا ، حين أتتهم رسالة الله ؛ والشهداء ، يعني بالشهداء : أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويستشهدهم ربهم على الرسل ، فيما ذكرت من تبليغها رسالة الله التي أرسلهم بها ربهم إلى أممها ، إذ جحدت أممهم أن يكونوا أبلغوهم رسالة الله ، والشهداء : جمع شهيد ، وهذا نظير قول الله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . وقيل : عني بقوله : الشُّهَداءِ : الذين قتلوا في سبيل الله ؛ وليس لما قالوا من ذلك في هذا الموضع كبير معنى ، لأن عقيب قوله : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ، وفي ذلك دليل واضح على صحة ما قلنا من أنه إنما دعى بالنبيين والشهداء للقضاء بين الأنبياء وأممها ، وأن الشهداء إنما هي جمع شهيد ، الذين يشهدون للأنبياء على أممهم كما ذكرنا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل