محمد بن جرير الطبري
23
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ فإنهم ليشهدون للرسل بتبليغ الرسالة ، وبتكذيب الأمم إياهم . ذكر من قال ما حكينا قوله من القول الآخر : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ : الذين استشهدوا في طاعة الله . وقوله : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ يقول تعالى ذكره : وقضي بين النبيين وأممها بالحق ، وقضاؤه بينهم بالحق ، أن لا يحمل على أحد ذنب غيره ، ولا يعاقب نفسا إلا بما كسبت . القول في تأويل قوله تعالى : وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ . . . حَتَّى إِذا . . . لِقاءَ . . . الْكافِرِينَ يقول تعالى ذكره : ووفى الله حينئذ كل نفس جزاء عملها من خير وشر ، وهو أعلم بما يفعلون في الدنيا من طاعة أو معصية ، ولا يعزب عنه علم شيء من ذلك ، وهو مجازيهم عليه يوم القيامة ، فمثيب المحسن بإحسانه ، والمسئ بما أساء . وقوله : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يقول : وحشر الذين كفروا بالله إلى ناره التي أعدها لهم يوم القيامة جماعات ، جماعة جماعة ، وحزبا حزبا ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : زُمَراً قال : جماعات . وقوله : حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها السبعة وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها قوامها : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ يعني : كتاب الله المنزل على رسله وحججه التي بعث بها رسله إلى أممهم وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يقول : وينذرونكم ما تلقون في يومكم هذا ؛ وقد يحتمل أن يكون معناه : وينذرونكم مصيركم إلى هذا اليوم . قالوا : بلى : يقول : قال الذين كفروا مجيبين لخزنة جهنم : بلى قد أتتنا الرسل منا ، فأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ يقول : قالوا : ولكن وجبت كلمة الله أن عذابه لأهل الكفر به علينا بكفرنا به ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ بأعمالهم . القول في تأويل قوله تعالى : قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ يقول تعالى ذكره : فتقول خزنة جهنم للذين كفروا حينئذ : ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ السبعة على قدر منازلكم فيها خالِدِينَ فِيها يقول : ماكثين فيها لا ينقلون عنها إلى غيرها . فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ يقول : فبئس مسكن المتكبرين على الله في الدنيا ، أن يوحدوه ويفردوا له الألوهة ، جهنم يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ . . . صَدَقَنا . . . الْعامِلِينَ يقول تعالى ذكره : وحشر الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه في الدنيا ، وأخلصوا له فيها الألوهة ، وأفردوا له العبادة ، فلم يشركوا في عبادتهم إياه شيئا إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً يعني جماعات ، فكان سوق هؤلاء إلى منازلهم من الجنة وفدا على ما قد بينا قبل في سورة مريم على نجائب من نجائب الجنة ، وسوق الآخرين إلى النار دعا ووردا ، كما قال الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . وقد ذكر ذلك في أماكنه من هذا الكتاب . وقد : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً ، وفي قوله : سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً قال : كان سوق أولئك عنفا وتعبا ودفعا ،