محمد بن جرير الطبري
21
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
والأرض إلا من شاء الله فإذا هم خامدون ، لم يأتي ملك الموت إلى الجبار تبارك وتعالى فيقول : يا رب قد مات أهل السماوات والأرض إلا من شئت ، فيقول له وهو أعلم . فمن بقي ؟ فيقول : بقيت أنت الحي الذي لا يموت ، وبقي حملة عرشك ، وبقي جبريل وميكائيل ؛ فيقول الله له : اسكت إني كتبت الموت على من كان تحت عرشي ؛ ثم يأتي ملك الموت فيقول : يا رب قد مات جبريل وميكائيل ؛ فيقول الله وهو أعلم : فمن بقي ؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت ، وبقي حملة عرشك ، وبقيت أنا ، فيقول الله : فليمت حملة العرش ، فيموتون ؛ ويأمر الله تعالى العرش فيقبض الصور . فيقول : أي رب قد مات حملة عرشك ؛ فيقول : من بقي ؟ وهو أعلم ، فيقول : بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا ، قال : فيقول الله : أنت من خلقي خلقتك لما رأيت ، فمت لاتحيي ، فيموت " . وهذا القول الذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصحة ، لأن الصعقة في هذا الموضع : الموت . والشهداء وإن كانوا عند الله أحياء كما أخبر الله تعالى ذكره فإنهم قد ذاقوا الموت قبل ذلك . وإنما عنى جل ثناؤه بالاستثناء في هذا الموضع ، الاستثناء من الذين صعقوا عند نفخة الصعق ، لا من الذين قد ماتوا قبل ذلك بزمان ودهر طويل ؛ وذلك أنه لو جاز أن يكون المراد بذلك من قد هلك ، وذاق الموت قبل وقت نفخة الصعق ، وجب أن يكون المراد بذلك من قد هلك ، فذاق الموت من قبل ذلك ، لأنه ممن لا يصعق في ذلك الوقت إذا كان الميت لا يجدد له موت آخر في تلك الحال . وقال آخرون في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال الحسن : يستثني الله وما يدع أحدا من أهل السماوات ولا أهل الأرض إلا أذاقه الموت ؟ قال قتادة : قد استثنى الله ، والله أعلم إلى ما صارت ثنيته . قال : ذكر لنا أن نبي الله قال : " أتاني ملك فقال : يا محمد اختر نبيا ملكا ، أو نبيا عبدا ؛ فأوما إلى أن تواضع ، قال : نبيا عبدا ، قال فأعطيت خصلتين : أن جعلت أول من ينشق عنه الأرض ، وأول شافع ، فأرفع رأسي فأجد موسى آخذا بالعرش ، فالله أعلم أصعق بعد الصعقة الأولى أم لا ؟ " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عبدة بن سليمان ، قال : ثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال يهودي بسوق المدينة : والذي اصطفى موسى على البشر ، قال : فرفع رجل من الأنصار يده ، فصك بها وجهه ، فقال : تقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم نفخ فيه أخرى فإذاهم قيام ينظرون ، فأكون أنا أول من يرفع رأسه ، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي ، أو كان ممن استثنى الله " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عطاء ، عن الحسن ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " وكأني أنفض رأسي من التراب أول خارج ، فألتفت فلا أرى أحدا إلا موسى متعلقا بالعرش ، فلا أدري أممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة أو بعث قبلي " . وقوله : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ يقول تعالى ذكره : ثم نفخ في الصور نفخة أخرى ؛ والهاء التي في " فيه " من ذكر الصور ، كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى قال : في الصور ، وهي نفخة البعث . وذكر أن بين النخفتين أربعين سنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما بين النفختين أربعون " قالوا : يا أبا هريرة أربعون يوما ؟ قال : أبيت ؛ قالوا : أربعون شهرا ؟