محمد بن جرير الطبري
96
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها أي احملني عليها ، ثم عزني في الخطاب : أي قهرني في الخطاب ، وكان أقوى مني هو وأعز ، فحاز نعجتي إلى نعاجه وتركني لا شيء لي ؛ فغضب داود ، فنظر إلى خصمه الذي لم يتكلم ، فقال : لئن كان صدقني ما يقول ، لأضربن بين عينيك بالفأس ثم ارعوى داود ، فعرف أنه هو الذي يراد بما صنع في امرأة أوريا ، فوقع ساجدا تائبا منيبا باكيا ، فسجد أربعين صباحا صائما لا يأكل فيها ولا يشرب ، حتى أنبت دمعه الخضر تحت وجهه ، وحتى أندب السجود في لحم وجهه ، فتاب الله عليه وقبل منه . ويزعمون أنه قال : أي رب هذا غفرت ما جنيت في شأن المرأة ، فكيف بدم القتيل المظلوم ؟ قيل له : يا داود ، فيما زعم أهل الكتاب ، أما إن ربك لم يظلمه بدمه ، ولكنه سيسأله إياك فيعطيه ، فيضعه عنك ؛ فلما فرج عن داود ما كان فيه ، رسم خطيئته في كفه اليمنى بطن راحته ، فما رفع إلى فيه طعاما ولا شرابا قط إلا بكى إذا رآها ، وما قام خطيبا في الناس قط إلا نشر راحته ، فاستقبل بها الناس ليروا رسم خطيئته في يده . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت ليثا يذكر عن مجاهد قال : لما أصاب داود الخطيئة خر لله ساجدا أربعين يوما حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه ؛ ثم نادى : رب قرح الجبين ، وجمدت العين ، وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء ، فنودي : أجائع فتطعم ، أم مريض فتشفى ، أم مظلوم فينتصر لك ؟ قال : فنحب نحبة هاج كل شيء كان نبت ، فعند ذلك غفر له . وكانت خطيئته مكتوبة بكفه يقرؤها ، وكان يؤتى بالإناء ليشرب فلا يشرب إلا ثلثه أو نصفه ، وكان يذكر خطيئته ، فينحب النحبة تكاد مفاصله تزول بعضها من بعض ، ثم ما يتم شرابه حتى يملأه من دموعه ؛ وكان يقال : إن دمعة داود ، تعدل دمعة الخلائق ، ودمعة آدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق ، قال : فهو يجيء يوم القيامة خطيئته مكتوبة بكفه ، فيقول : رب ذنبي ذنبي قدمني ، قال : فيقدم فلا يأمن فيقول : رب أخرني فيؤخر فلا يأمن . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن لهيعة ، عن أبي صخر ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك سمعه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن داود النبي صلى الله عليه وسلم حين نظر إلى المرأة فأهم ، قطع على بني إسرائيل ، فأوصى صاحب البعث ، فقال : إذا حضر العدو ، فقرب فلانا بين يدي التابوت ، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به ، من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو يهزم عنه الجيش ، فقتل زوج المرأة ونزل الملكان على داود يقصان عليه قصته ، ففطن داود فسجد ، فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه ، وأكلت الأرض جبينه وهو يقول في سجوده " فلم أحص من الرقاشي إلا هؤلاء الكلمات : " رب زل داود زلة أبعد ما بين المشرق والمغرب ، إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه ، جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعده ، فجاءه جبرائيل صلى الله عليه وسلم من بعد الأربعين ليلة ، قال : يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي هممت به ، فقال داود : علمت أن الرب قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به ، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال : يا رب دمي الذي عند داود فقال جبرائيل صلى الله عليه وسلم : ما سألت ربك عن ذلك ، ولئن شئت لأفعلن ، فقال : نعم ، فعرج جبريل وسجد داود ، فمكث ما شاء الله ، ثم نزل فقال : قد سأل ربك عز وجل يا داود عن الذي أرسلتني فيه ، فقال : قل لداود : إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول : هب لي دمك الذي عند داود ، فيقول : هو لك يا رب ، فيقول : فإن لك