محمد بن جرير الطبري

58

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن السدي ، في قوله : وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ قال : من الغرق . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ أي من آل فرعون . وقوله : وَنَصَرْناهُمْ يقول : ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا هم ، فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ لهم . وقال بعض أهل العربية : إنما أريد بالهاء والميم في قوله : وَنَصَرْناهُمْ موسى وهارون ، ولكنها أخرجت على مخرج مكني الجمع ، لأن العرب تذهب بالرئيس كالنبي والأمير وشبهه إلى الجمع بجنوده وأتباعه ، وإلى التوحيد لأنه واحد في الأصل ، ومثله : عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ وفي موضع آخر : وَمَلَائِهِ قال : وربما ذهبت العرب بالاثنين إلى الجمع كما تذهب بالواحد إلى الجمع ، فتخاطب الرجل ، فتقول : ما أحسنتم ولا أجملتم ، وإنما تريده بعينه ، وهذا القول الذي قاله هذا الذي حكينا قوله في قوله : وَنَصَرْناهُمْ وإن كان قولا غير مدفوع ، فإنه لا حاجة بنا إلى الاحتيال به لقوله : وَنَصَرْناهُمْ لأن الله أتبع ذلك قوله : وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ثم قال : وَنَصَرْناهُمْ يعني : هما وقومهما ، لأن فرعون وقومه كانوا أعداء لجميع بني إسرائيل ، قد استضعفوهم ، يذبحون أبناءهم ، ويستحيون نساءهم ، فنصرهم الله عليهم ، بأن غرقهم ونجى الآخرين . القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ . . . عَلى مُوسى يقول تعالى ذكره : وآتينا موسى وهارون الكتاب : يعني التوراة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ : التوراة . ويعني بالمستبين : المتبين هدى ما فيه وتفصيله وأحكامه . وقوله : وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يقول تعالى ذكره : وهدينا موسى وهارون الطريق المستقيم ، الذي لا اعوجاج فيه وهو الإسلام دين الله ، الذي ابتعث به أنبياءه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الإسلام . وقوله : وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ يقول : وتركنا عليهما في الآخرين بعدهم الثناء الحسن عليهما . وقوله : سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ يقول : وذلك أن يقال : سلام على موسى وهارون . وقوله : إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يقول : هكذا نجزي أهل طاعتنا ، والعاملين بما يرضينا عنهم إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ يقول : إن موسى وهارون من عبادنا المخلصين لنا الإيمان . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . . . أَ تَدْعُونَ بَعْلًا . . . عِبادَ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : وإن إلياس ، وهو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران فيما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق حدثنا أبو كريب وقيل : إنه إدريس . حدثنا بذلك بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان يقال : إلياس هو إدريس . وقد ذكرنا ذلك إنه إدريس فيما مضى قبل . وقوله : لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ يقول جل ثناؤه : لمرسل من المرسلين إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ ؟ يقول حين قال لقومه في بني إسرائيل : ألا تتقون الله أيها القوم ، فتخافونه ، وتحذرون عقوبته على عبادتكم ربا غير الله ، وإلها سواه وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ يقول : وتدعون عبادة أحسن من قيل له خالق . وقد اختلف في معنى بعل ، فقال بعضهم : معناه : أتدعون ربا ؟ وقالوا : هي لغة لأهل اليمن معروفة فيهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا حرمي