محمد بن جرير الطبري
54
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول : إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من بنيه إسماعيل ، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله في قصة الخبر عن إبراهيم وما أمر به من ذبح ابنه إسماعيل ، وذلك أن الله يقول ، حين فرغ من قصة المذبوح من إبراهيم ، قال : وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ يقول : بشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ، يقول : بابن وابن ابن ، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الله الموعود ما وعده الله ، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد ، عن الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم : إسماعيل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : قال محمد بن إسحاق : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول ذلك كثيرا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي ، أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة ، إذ كان معه بالشام فقال له عمر : إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه ، وإني لأراه كما هو ؛ ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا ، فأسلم فحسن إسلامه ، وكان يرى أنه من علماء يهود ، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك ، فقال محمد بن كعب : وأنا عند عمر بن عبد العزيز ، فقال له عمر : أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال : إسماعيل والله يا أمير المؤمنين ، وإن يهود لتعلم بذلك ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه ، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به ، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق ، لأن إسحاق أبوهم ، فالله أعلم أيهما كان ، كل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لربه . حدثني محمد بن عمار الرازي ، قال : ثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة ، قال : ثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي ، عن عبيد بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان ، عن أبيه ، قال : ثني عبد الله بن سعيد ، عن الصنابحي ، قال : كنا عند معاوية بن أبي سفيان ، فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق ، فقال : على الخبير سقطتم : كنا عند رسول الله صلى الله علبه وسلم فجاءه رجل ، فقال : يا رسول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين ؛ فضحك عليه الصلاة والسلام ؛ فقلنا له : يا أمير المؤمنين ، وما الذبيحان ؟ فقال : إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم ، نذر لله لئن سهل عليه أمرها ليذبحن أحد ولده ، قال : فخرج السهم على عبد الله ، فمنعه أخواله ، وقالوا : افد ابنك بمئة من الإبل ، ففداه بمئة من الإبل ، وإسماعيل الثاني حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عثمان بن عمر ، قال : ثنا ابن جريج ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : الذي فدي به إسماعيل ، ويعني تعالى ذكره الكبش الذي فدي به إسحاق ، والعرب تقول لكل ما أعد للذبح ذبح ، وأما الذبح بفتح الذال فهو الفعل . قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب في المفدي من ابني إبراهيم خليل الرحمن على ظاهر التنزيل قول من قال : هو إسحاق ، لأن الله قال : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فذكر أنه فدي الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدا صالح من الصالحين ، فقال : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فإذ كان المفدي بالذبح من ابنيه هو المبشر به ، وكان الله تبارك اسمه قد بين في كتابه أن الذي بشر به هو إسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب ، فقال جل ثناؤه : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد ، فإنما هو معني به إسحاق ، كان بينا أن تبشيره إياه بقوله : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ في هذا الموضع