محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن . وبعد : فإن الله أخبر جل ثناؤه في هذه الآية عن خليله أنه بشره بالغلام الحليم عن مسألته إياه أن يهب له من الصالحين ، ومعلوم أنه لم يسأله ذلك إلا في حال لم يكن له فيه ولد من الصالحين ، لأنه لم يكن له من ابنيه إلا إمام الصالحين ، وغير موهوم منه أن يكون سأل ربه في هبة ما قد كان أعطاه ووهبه له . فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذي ذكر تعالى ذكره في هذا الموضع هو الذي ذكر في سائر القرآن أنه بشره به وذلك لا شك أنه إسحاق ، إذ كان المفدي هو المبشر به . وأما الذي اعتل به من اعتل في أنه إسماعيل ، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابن ابن ، فلم يكن جائزا أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم ؛ فإن الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي ، وتلك حال غير ممكن أن يكون قد ولد لإسحاق فيها أولاد ، فكيف الواحد ؟ وأما اعتلال من اعتل بأن الله أتبع قصة المفدي من ولد إبراهيم بقوله : وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا ولو كان المفدي هو إسحاق لم يبشر به بعد ، وقد ولد ، وبلغ معه السعي ، فإن البشارة بنبوة إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فدي تكرمة من الله له على صبره لأمر ربه فيما امتحنه به من الذبح ، وقد تقدمت الرواية قبل عمن قال ذلك . وأما اعتلال من اعتل بأن قرن الكبش كان معلقا في الكعبة فغير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى مكة . وقد روي عن جماعة من أهل العلم أن إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام ، وبها أراد ذبحه . واختلف أهل العلم في الذبح الذي فدي به إسحاق ، فقال بعضهم : كان كبشا . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن جابر ، عن أبي الطفيل ، عن علي وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : كبش أبيض أقرن أعين مربوط بسمرة في ثبير . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : كبش قال عبيد بن عمير : ذبح بالمقام ، وقال مجاهد : ذبح بمني في المنحر . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن خثيم ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا سيار ، عن عكرمة ، أن ابن عباس كان أفتى الذي جعل عليه أن ينحر نفسه ، فأمره بمئة من الإبل ، قال : فقال ابن عباس بعد ذلك : لو كنت أفتيته بكبش لأجزأه أن يذبح كبشا ، فإن الله قال في كتابه : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : ذبح كبش . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : قال ابن عباس : التفت فإذا كبش ، فأخذه فذبحه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : كان الكبش الذي ذبحه إبراهيم رعى في الجنة أربعين سنة ، وكان كبشا أملح ، صوفه مثل العهن الأحمر . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : بكبش . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا ليث ، قال : قال مجاهد : الذبح العظيم : شاة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ حدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قال : بكبش . وحدثنا الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا شريك ،