محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
معونته على عمله . وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ يقول : العمل . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قال : لما شب حتى أدرك سعيه سعي إبراهيم في العمل . حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله ، إلا أنه قال : لما شب حين أدرك سعيه . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قال : سعي إبراهيم . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا سهل بن يوسف ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ سعي إبراهيم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قال : السعي هاهنا العبادة . وقال آخرون : معنى ذلك : فلما مشى مع إبراهيم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي لما مشى مع أبيه . وقوله : قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم خليل الرحمن لابنه : يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ وكان فيما ذكر أن إبراهيم نذر حين بشرته الملائكة بإسحاق ولدا أن يجعله إذا ولدته سارة لله ذبيحا ؛ فلما بلغ إسحاق مع أبيه السعي أري إبراهيم في المنام ، فقيل له : أوف لله بنذرك ، ورؤيا الأنبياء يقين ، فلذلك مضى لما رأى في المنام ، وقال له ابنه إسحاق ما قال . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قال جبرائيل لسارة : أبشري بولد اسمه إسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب ، فضربت جبهتها عجبا ، فذلك قوله : فَصَكَّتْ وَجْهَها قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ إلى قوله : حَمِيدٌ مَجِيدٌ قالت سارة لجبريل : ما آية ذلك ؟ فأخذ بيده عودا يابسا ، فلواه بين أصابعه ، فاهتز أخضر ، فقال إبراهيم : هو لله إذن ذبيح ؛ فلما كبر إسحاق أتي إبراهيم في النوم ، فقيل له : أوف بنذرك الذي نذرت ، إن الله رزقك غلاما من سارة أن تذبحه ، فقال لإسحاق : انطلق نقرب قربانا إلى الله ، وأخذ سكينا وحبلا ، ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام : يا أبت أين قربانك ؟ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فقال له إسحاق : يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب ، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء ، فتراه سارة فتحزن ، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي ، فإذا أتيت سارة فاقرأ عليها مني السلام ؛ فأقبل عليه إبراهيم يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي ، حتى استنقع الدموع تحت خد إسحاق ، ثم إنه جر السكين على حلقه ، فلم تحك السكين ، وضرب الله صفيحة من نحاس على حلق إسحاق ؛ فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه ، وحز من قفاه ، فذلك قوله : فَلَمَّا أَسْلَما يقول : سلما لله الأمر وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ فنودي يا إبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا بالحق فالتفت فإذا بكبش ، فأخذه وخلى عن ابنه ، فأكب على ابنه يقبله ، وهو يقول : اليوم يا بني وهبت لي ؛ فلذلك يقول الله : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فرجع إلى سارة فأخبرها الخبر ، فجزعت سارة وقالت : يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ قال : رؤيا الأنبياء حق إذا رأوا في المنام