محمد بن جرير الطبري
50
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
شيئا فعلوه . حدثنا مجاهد بن موسى ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عبيد بن عمير ، قال : رؤيا الأنبياء وحي ، ثم تلا هذه الآية : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ قوله : فَانْظُرْ ما ذا تَرى اختلفت القراء في قراءة قوله : ما ذا تَرى ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة ، وبعض قراء أهل الكوفة : فَانْظُرْ ما ذا تَرى ؟ بفتح التاء ، بمعنى : أي شيء تأمر ، أو فانظر ما الذي تأمر ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " ماذا ترى " بضم التاء ، بمعنى : ماذا نشير ، وماذا ترى من صبرك أو جزعك من الذبح ؟ . والذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه : ما ذا تَرى بفتح التاء ، بمعنى : ماذا ترى من الرأي . فإن قال قائل : أو كان إبراهيم يؤامر ابنه في المضي لأمر الله ، والانتهاء إلى طاعته ؟ قيل : لم يكن ذلك منه مشاورة لابنه في طاعة الله ، ولكنه كان منه ليعلم ما عند ابنه من العزم : هل هو من الصبر على أمر الله على مثل الذي هو عليه ، فيسر بذلك أم لا ، وهو في الأحوال كلها ماض لأمر الله . وقوله : قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ يقول تعالى ذكره : قال إسحاق لأبيه : يا أبت افعل ما يأمرك به ربك من ذبحي سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ يقول : ستجدني إن شاء الله صابرا من الصابرين لما يأمرنا به ربنا ، وقال : افعل ما تؤمر ، ولم يقل : ما تؤمر به ، لأن المعنى : افعل الأمر الذي تؤمره ، وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " إني أرى في المنام : افعل ما أمرت به " . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . . . الرُّؤْيا يقول تعالى ذكره : فلما أسلما أمرهما لله وفوضاه إليه واتفقا على التسليم لأمره والرضا بقضائه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : ثنا ثابت بن محمد ، وحدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مسلم بن صالح ، قالا : ثنا عبد الله بن المبارك ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح ، في قوله : فَلَمَّا أَسْلَما قال : اتفقا على أمر واحد . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة ، قوله : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ قال : أسلما جميعا لأمر الله ورضي الغلام بالذبح ، ورضي الأب بأن يذبحه ، فقال : يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إلي فترحمني ، وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع ، ولكن أدخل الشفرة من تحتي ، وامض لأمر الله ، فذلك قوله : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ فلما فعل ذلك نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَلَمَّا أَسْلَما قال : أسلم هذا نفسه لله ، وأسلم هذا ابنه لله . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : فَلَمَّا أَسْلَما قال : أسلما ما أمرا به . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَلَمَّا أَسْلَما يقول : أسلما لأمر الله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق فَلَمَّا أَسْلَما أي سلم إبراهيم لذبحه حين أمر به وسلم ابنه للصبر عليه ، حين عرف أن الله أمره بذلك فيه . وقوله : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يقول : وصرعه للجبين ، والجبينان ما عن يمين الجبهة وعن شمالها ، وللوجه جبينان ، والجبهة بينهما . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى : وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ قال : وضع وجهه للأرض ، قال : لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني ، ولا تجهز