محمد بن جرير الطبري

22

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ولا يعجز عن إحياء العظام التي قد رمت ، وإعادتها بشرا سويا ، وخلقا جديدا ، كما بدأها أول مرة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً يقول : الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر أن يبعثه قوله : فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ يقول : فإذا أنتم من هذا الشجر توقدون النار ؛ وقال : مِنْهُ والهاء من ذكر الشجر ، ولم يقل : منها ، والشجر جمع شجرة ، لأنه خرج مخرج الثمر والحصى ، ولو قيل : منها كان صوابا أيضا ، لأن العرب تذكر مثل هذا وتؤنثه . أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ يقول تعالى ذكره منبها هذا الكافر الذي قال : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ على خطأ قوله ، وعظيم جهله أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ السبع وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مثلكم ، فإن خلق مثلكم من العظام الرميم ليس بأعظم من خلق السماوات والأرض . يقول : فمن لم يتعذر عليه خلق ما هو أعظم من خلقكم ، فكيف يتعذر عليه إحياء العظام بعد ما قد رمت وبليت ؟ وقوله : بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ يقول : بلى هو قادر على أن يخلق مثلهم وهو الخلاق لما يشاء ، الفعال لما يريد ، العليم بكل ما خلق ويخلق ؛ لا يخفى عليه خافية . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . . . تُرْجَعُونَ يقول تعالى ذكره : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ قال : هذا مثل إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، قال : ليس من كلام العرب شيء هو أخف من ذلك ، ولا أهون ، فأمر الله كذلك وقوله : فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ يقول تعالى ذكره : فتنزيه الذي بيده ملك كل شيء وخزائنه . وقوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يقول : وإليه تردون وتصيرون بعد مماتكم . آخر تفسير سورة يس . [ تفسير سورة الصافات ] القول في تأويل قوله تعالى : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا . . . ذِكْراً قال أبو جعفر : أقسم الله تعالى ذكره بالصافات ، والزاجرات ، والتاليات ذكرا ؛ فأما الصافات : فإنها الملائكة الصافات لربها في السماء وهي جمع صافة ، فالصافات : جمع جمع ، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني سلم بن جنادة ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مسلم ، قال : كان مسروق يقول في الصافات : هي الملائكة . حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، قال : أخبرنا النضر بن شميل ، قال : أخبرنا شعبة ، عن سليمان ، قال : سمعت أبا الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله ، بمثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَالصَّافَّاتِ صَفًّا قال : قسم أقسم الله بخلق ،