محمد بن جرير الطبري
21
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عبيد الله بن موسى ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى عن مجاهد ، في قوله : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قال : أبي بن خلف أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا أبي بن خلف حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ذكر لنا أن أبي بن خلف ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ، ففته ، ثم ذراه في الريح ، ثم قال : يا محمد من يحيي هذا وهو رميم ؟ قال : " والله يحييه ، ثم يميته ، ثم يدخلك النار " ؛ قال : فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وقال آخرون : بل عني به : العاص بن وائل السهمي . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، قال : جاء العاص بن وائل السهمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ، ففته بين يديه ، فقال : يا محمد أيبعث الله هذا حيا بعد ما أرم ؟ قال : " نعم يبعث الله هذا ، ثم يميتك ثم يحييك ، ثم يدخلك نار جهنم " قال : ونزلت الآيات : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ " وإلى آخر الآية وقال آخرون : بل عني به : عبد الله بن أبي . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ إلى قوله : وَهِيَ رَمِيمٌ قال : جاء عبد الله بن أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل فكسره بيده ، ثم قال : يا محمد كيف يبعث الله هذا وهو رميم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يبعث الله هذا ، ويميتك ثم يدخلك جهنم " ، فقال الله : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ فتأويل الكلام إذن : أو لم ير هذا الإنسان الذي يقول : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ أنا خلقناه من نطفة فسويناه خلقا سويا فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ يقول : فإذا هو ذو خصومة لربه ، يخاصمه فيما قال له ربه إني فاعل ، وذلك إخبار لله إياه أنه محيي خلقه بعد مماتهم ، فيقول : من يحيي هذه العظام وهي رميم ؟ إنكارا منه لقدرة الله على إحيائها . وقوله : مُبِينٌ يقول : يبين لمن سمع خصومته وقيله ذلك أنه مخاصم ربه الذي خلقه . وقوله : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ يقول : ومثل لنا شبها بقوله : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ إذ كان لا يقدر على إحياء ذلك أحد ، يقول : فجعلنا كمن لا يقدر على إحياء ذلك من الخلق وَنَسِيَ خَلْقَهُ يقول : ونسي خلقنا إياه كيف خلقناه ، وأنه لم يكن إلا نطفة ، فجعلناها خلقا سويا ناطقا ، يقول : فلم يفكر في خلقناه ، فيعلم أن من خلقه من نطفة حتى صار بشرا سويا ناطقا متصرفا ، لا يعجز أن يعيد الأموات أحياء ، والعظام الرميم بشرا كهيئتهم التي كانوا بها قبل الفناء ؛ يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ لهذا المشرك القائل لك : من يحيي العظام وهي رميم يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ يقول : يحييها الذي ابتدع خلقها أول مرة ولم تكن شيئا وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يقول : وهو بجميع خلقه ذو علم كيف يميت ، وكيف يحيي ، وكيف يبدئ ، وكيف يعيد ، لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا . . . وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ يقول تعالى ذكره : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً يقول : الذي أخرج لكم من الشجر الأخضر نارا تحرق الشجر ، لا يمتنع عليه فعل ما أراد ،