محمد بن جرير الطبري
11
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ما كان في بطنها كان في بطنها ، وما كان على ظهرها كان على ظهرها " واختلفت القراء في قراءة قوله : وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فقرأ ذلك بعض قراء المدينة : " وهم يخصمون " بسكون الخاء وتشديد الصاد ، فجمع بين الساكنين ، بمعنى : يختصمون ، ثم أدغم التاء في الصاد فجعلها صادا مشددة ، وترك الخاء على سكونها في الأصل . وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين : " وهم يخصمون " بفتح الخاء وتشديد الصاد بمعنى : يختصمون ، غير أنهم نقلوا حركة التاء وهي الفتحة التي في يفتعلون إلى الخاء منها ، فحركوها بتحريكها ، وأدغموا التاء في الصاد وشددوها . وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة : يَخِصِّمُونَ بكسر الخاء وتشديد الصاد ، فكسروا الخاء بكسر الصاد وأدغموا التاء في الصاد وشددوها . وقرأ ذلك آخرون منهم : " يخصمون " بسكون الخاء وتخفيف الصاد ، بمعنى " يفعلون " من الخصومة ، وكأن معنى قارئ ذلك كذلك : كأنهم يتكلمون ، أو يكون معناه عنده : كان وهم عند أنفسهم يخصمون من وعدهم مجيء الساعة ، وقيام القيامة ، ويغلبونه بالجدل في ذلك . والصواب من القول في ذلك عندنا أن هذه قراءات مشهورات معروفات في قراء الأمصار ، متقاربات المعاني ، فبأيتهن قرأ القارئ فمصيب . وقوله : فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً يقول تعالى ذكره : فلا يستطيع هؤلاء المشركون عند النفخ في الصور أن يوصوا في أموالهم أحدا وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يقول : ولا يستطيع من كان منهم خارجا عن أهله أن يرجع إليهم ، لأنهم لا يمهلون بذلك . ولكن يعجلون بالهلاك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً أي فيما في أيديهم وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ قال : أعجلوا عن ذلك حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً الآية ، قال : هذا مبتدأ يوم القيامة ، وقرأ : فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً حتى بلغ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ القول في تأويل قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ . . . مَرْقَدِنا . . . مُحْضَرُونَ يقول تعالى ذكره : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ وقد ذكرنا اختلاف المختلفين والصواب من القول فيه بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، ويعنى بهذه النفخة ، نفخة البعث . وقوله : فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ يعني من أجداثهم ، وهي قبورهم ، واحدها جدث ، وفيها لغتان ، فأما أهل العالية ، فتقوله بالثاء : جدث ، وأما أهل السافلة فتقوله بالفاء جدف . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ يقول : من القبور حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ أي من القبور وقوله : إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ يقول : إلى ربهم يخرجون سراعا ، والنسلان : الإسراع في المشي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : يَنْسِلُونَ يقول : يخرجون حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ أي يخرجون وقوله : قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ يقول تعالى ذكره : قال هؤلاء المشركون لما نفخ في الصور نفخة البعث لموقف القيامة فردت أرواحهم إلى أجسامهم ، وذلك بعد نومة ناموها : يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا وقد قيل :