محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إن ذلك نومة بين النفختين . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن خيثمة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، في قوله : يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا قال : ناموا نومة قبل البعث حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن رجل يقال له خيثمة في قوله : يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا قال : ينامون نومة قبل البعث حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا قول أهل الضلالة . والرقدة : ما بين النفختين حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا قال : الكافرون يقولونه ويعني بقوله : مِنْ مَرْقَدِنا هذا من أيقظنا من منامنا ، وهو من قولهم : بعث فلان ناقته فانبعثت ، إذا أثارها فثارت . وقد ذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود : " من أهبنا من مرقدنا هذا " . وفي قوله : هذا وجهان : أحدهما : أن تكون إشارة إلى " ما " ، ويكون ذلك كلاما مبتدأ بعد تناهي الخبر الأول بقوله : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا فتكون " ما " حينئذ مرفوعة بهذا ، ويكون معنى الكلام : هذا وعد الرحمن وصدق المرسلون . والوجه الآخر : أن تكون من صفة المرقد ، وتكون خفضا وردا على المرقد ، وعند تمام الخبر عن الأول ، فيكون معنى الكلام : من بعثنا من مرقدنا هذا ، ثم يبتدئ الكلام فيقال : ما وعد الرحمن ، بمعنى : بعثكم وعد الرحمن ، فتكون " ما " حينئذ رفعا على هذا المعنى . وقد اختلف أهل التأويل في الذي يقول حينئذ : هذا ما وعد الرحمن ، فقال بعضهم : يقول ذلك أهل الإيمان بالله . ذكر من قال ذلك : حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ مما سر المؤمنون يقولون هذا حين البعث حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ قال : قال أهل الهدى : هذا ما وعد الرحمن وصدق ا لمرسلون وقال آخرون : بل كلا القولين ، أعني يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ من قول الكفار . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ثم قال بعضهم لبعض : هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ كانوا أخبرونا أنا نبعث بعد الموت ، ونحاسب ونجازى والقول الأول أشبه بظاهر التنزيل ، وهو أن يكون من كلام المؤمنين ، لأن الكفار في قيلهم : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا دليل على أنهم كانوا بمن بعثهم من مرقدهم جمالا ، ولذلك من جهلهم استثبتوا ، ومحال أن يكونوا استثبتوا ذلك إلا من غيرهم ، ممن خالفت صفته صفتهم في ذلك . وقوله : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ يقول تعالى ذكره : إن كانت إعادتهم أحياء بعد مماتهم إلا صيحة واحدة ، وهي النفخة الثالثة في الصور فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ يقول : فإذاهم مجتمعون لدينا قد أحضروا ، فأشهدوا موقف العرض والحساب ، لم يتخلف عنه منهم أحد . وقد بينا اختلاف المختلفين في قراءتهم إِلَّا صَيْحَةً بالنصب والرفع فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . . . فاكِهُونَ يقول تعالى ذكره : فَالْيَوْمَ يعني يوم القيامة لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً كذلك ربنا لا يظلم نفسا شيئا ، فلا يوفيها