محمد بن جرير الطبري
50
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يعمل فيها الطعام من الكبر والعظم ، لا تحرك ، ولا تنقل ، كما قال للجبال : راسيات . وقوله : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً يقول تعالى ذكره : وقلنا لهم اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرا له على ما أنعم عليكم من النعم التي خصكم بها عن سائر خلقه مع الشكر له على سائر نعمه التي عمكم بها مع سائر خلقه ؛ وترك ذكر : وقلنا لهم ، اكتفاء بدلالة الكلام على ما ترك منه ، وأخرج قوله شُكْراً مصدرا من قوله اعْمَلُوا آلَ داوُدَ لأن معنى قوله اعْمَلُوا اشكروا ربكم بطاعتكم إياه ، وأن العمل بالذي رضي الله ، لله شكر . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا موسى بن عبادة ، عن محمد بن كعب ، قوله : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً قال : الشكر : تقوى الله ، والعمل بطاعته . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : أخبرني حيوة ، عن زهرة بن معبد ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وأفضل الشكر الحمد . حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً قال : أعطاكم وعلمكم وسخر لكم ما لم يسخر لغيركم ، وعلمكم منطق الطير ، اشكروا له يا آل داود ، قال : الحمد طرف من الشكر . وقوله : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ يقول تعالى ذكره : وقليل من عبادي المخلصو توحيدي ، والمفردو طاعتي وشكري على نعمتي عليهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ يقول : قليل من عبادي الموحدون توحيدهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ يقول تعالى ذكره : فلما أمضينا قضاءنا على سليمان بالموت فمات ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ يقول : لم يدل الجن على موت سليمان إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ وهي الأرضة وقعت في عصاه ، التي كان متكئا عليها فأكلتها ، فذلك قول الله عز وجل تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن المثنى وعلي ، قالا : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ يقول : الأرضة تأكل عصاه . حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ قال : عصاه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثني أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ قال : الأرضة تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ قال : عصاه . حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا عبد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ قال : عصاه . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن عثمة ، قال : ثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، في قوله : تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ أكلت عصاه حتى خر . حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : المنسأة : العصا بلسان الحبشة . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : المنسأة : العصا . واختلفت القراء في قراءة قوله : مِنْسَأَتَهُ فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة : " منسأته " غير مهموزة ؛ وزعم من اعتل لقارئ ذلك كذلك من أهل البصرة أن المنساة : العصا ، وأن أصلها من نسأت بها الغنم ، قال : وهي من الهمز الذي تركته العرب ، كما تركوا همز النبي والبرية