محمد بن جرير الطبري

51

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والخابية ، وأنشد لترك الهمز في ذلك بيتا لبعض الشعراء : إذا دببت على المنساة من هرم * فقد تباعد عنك اللهو والغزل وذكر الفراء عن أبي جعفر الرواسي ، أنه سأل عنها أبا عمرو ، فقال : " منسأته " بغير همز . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : مِنْسَأَتَهُ بالهمز ، وكأنهم وجهوا ذلك إلى أنها مفعلة ، من نسأت البعير : إذا زجرته ليزداد سيره ، كما يقال : نسأت اللبن : إذا صببت عليه الماء ، وهو النسيء . وكما يقال : نسأ الله في أجلك أي أدام الله في أيام حياتك . قال أبو جعفر : وهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وإن كنت أختار الهمز فيها لأنه الأصل . وقوله : فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ يقول عز وجل : فلما خر سليمان ساقطا بانكسار منسأته تبينت الجن أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ الذي يدعون علمه ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ المذل حولا كاملا بعد موت سليمان ، وهم يحسبون أن سليمان حي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن منصور ، قال : ثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة ، قال : ثنا إبراهيم بن طهمان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وكان سليمان نبي الله إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه ، فيقول لها : ما اسمك ؟ فتقول : كذا ، فيقول : لأي شيء أنت ؟ فإن كانت تغرس غرست ، وإن كان لدواء كتبت ، فبينما هو يصلي ذات يوم ، إذ رأى شجرة بين يديه ، فقال لها : ما اسمك ؟ قالت : الخروب ، قال : لأي شيء أنت ؟ قالت : لخراب هذا البيت ، فقال سليمان : اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب ، فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا ميتا ، والجن تعمل ، فأكلتها الأرضة ، فسقط ، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين " قال : وكان ابن عباس يقرؤها كذلك ، قال : فشكرت الجن للأرضة ، فكانت تأتيها بالماء حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان سليمان يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين ، والشهر والشهرين ، وأقل من ذلك وأكثر ، يدخل طعامه وشرابه ، فدخله في المرة التي مات فيها ، وذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه ، إلا تنبت فيه شجرة ، فيسألها ما اسمك ، فتقول الشجرة : اسمي كذا وكذا ، فيقول لها : لأي شيء نبت ؟ فتقول : نبت لكذا وكذا ، فيأمر بها فتقطع ، فإن كانت نبتت لغرس غرسها ، وإن كانت نبتت لدواء ، قالت : نبت دواء لكذا وكذا ، فيجعلها كذلك ، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة ، فسألها : ما اسمك ؟ فقالت له : أنا الخروبة ، فقال : لأي شيء نبت ؟ قالت : لخراب هذا المسجد ؛ قال سليمان : ما كان الله ليخربه وأنا حي ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس ، فنزعها وغرسها في حائط له ، ثم دخل المحراب ، فقام يصلي متكئا على عصاه ، فمات ولا تعلم به الشياطين في ذلك ، وهم يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم ؛ وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب ، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه ، وكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول : ألست جلدا إن دخلت ، فخرجت من الجانب الآخر ؛ فدخل شيطان من أولئك فمر ، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق ، فمر ولم يسمع صوت سليمان عليه السلام ، ثم رجع فلم يسمع ، ثم رجع فوقع