محمد بن جرير الطبري
16
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
واللاتي هاجرن معك " بواو ؛ وذلك وإن كان كذلك في قراءته محتمل أن يكون بمعنى قراءتنا بغير الواو ، وذلك أن العرب تدخل الواو في نعت من قدم تقدم ذكره أحيانا ، كما قال الشاعر : فإن رشيدا وابن مروان لم يكن * ليفعل حتى يصدر الأمر مصدرا ورشيد هو ابن مروان . وكان الضحاك بن مزاحم يتأول قراءة عبد الله هذه أنهن نوع غير بنات خالاته ، وأنهن كل مهاجرة هاجرت مع النبي صلى الله عليه وسلم . ذكر الخبر عنه بذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في حرف ابن مسعود : " واللاتي هاجرن معك " يعني بذلك : كل شيء هاجر معه ليس من بنات العم والعمة ، ولا من بنات الخال والخالة . وقوله : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ نكاح النبي يقول : وأحللنا له امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي بغير صداق ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ بغير صداق ، فلم يكن يفعل ذلك ، وأحل له خاصة من دون المؤمنين نكاح النبي . وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " وامرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي " بغير إن ، ومعنى ذلك ومعنى قراءتنا وفيها " إن " واحد ، وذلك كقول القائل في الكلام : لا بأس أن يطأ جارية مملوكة إن ملكها ، وجارية مملوكة ملكها . وقوله إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها نكاح النبي يقول : إن أراد أن ينكحها ، فحلال له أن ينحكها إذا وهبت نفسها له بغير مهر خالِصَةً لَكَ يقول : لا يحل لأحد من أمتك أن يقرب امرأة وهبت نفسها له ، وإنما ذلك لك يا محمد خالصة أخلصت لك من دون سائر أمتك ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ نكاح النبي يقول : ليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير أمر ولي ولا مهر ، إلا للنبي ، كانت له خالصة من دون الناس . ويزعمون أنها نزلت في ميمونة بنت الحارث أنها التي وهبت نفسها للنبي . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قوله خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ نكاح النبي قال : كان كل امرأة آتاها مهرا فقد أحلها الله له إلى أن وهب هؤلاء أنفسهن له ، فأحللن له دون المؤمنين بغير مهر خالصة لك من دون المؤمنين إلا امرأة لها زوج . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن صالح بن مسلم ، قال : سألت الشعبي عن امرأة وهبت نفسها لرجل ، قال : لا يكون ، لا تحل له ، إنما كانت للنبي صلى الله عليه وسلم نكاح النبي . واختلفت القراء في قراءة قوله : إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار : إِنْ وَهَبَتْ بكسر الألف على وجه الجزاء ، بمعنى : إن تهب . وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ : " وأن وهبت " بفتح الألف ، بمعنى : وأحللنا له امرأة مؤمنة أن ينكحها ، لهبتها له نفسها . والقراءة التي لا أستجيز خلافها في كسر الألف لإجماع الحجة من القراء عليه . وأما قوله : خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ليس ذلك للمؤمنين . نكاح النبي وذكر أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل عليه هذه الآية أن يتزوج أي النساء شاء ، فقصره الله على هؤلاء ، فلم يعدهن ، وقصر سائر أمته على مثنى وثلاث ورباع . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت داود بن أبي هند ، عن محمد بن أبي موسى ، عن زياد رجل من الأنصار ، عن أبي بن كعب ، أن التي أحل الله للنبي من النساء هؤلاء اللاتي ذكر الله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ النكاح إلى قوله : فِي أَزْواجِهِمْ