محمد بن جرير الطبري

49

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : أخفض من صوتك . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ فقال بعضهم : معناه : إن أقبح الأصوات . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار وابن المثنى ، قالا : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة وأبان بن تغلب ، قالا : ثنا أبو معاوية عن جويبر ، عن الضحاك إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ قال : إن أقبح الأصوات لَصَوْتُ الْحَمِيرِ حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ أي أقبح الأصوات لصوت الحمير ، أوله زفير ، وآخره شهيق ؛ أمره بالاقتصاد في صوته . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، قال : سمعت الأعمش يقول : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ صوت الحمير . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن أشر الأصوات . ذكر من قال ذلك : حدثت عن يحيى بن واضح ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن عكرمة والحكم بن عتيبة إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ قال : أشر الأصوات . قال جابر : وقال الحسن بن مسلم : أشد الأصوات . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ قال : لو كان رفع الصوت هو خيرا ما جعله للحمير . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : إن أقبح أو أشر الأصوات ، وذلك نظير قولهم ، إذا رأوا وجها قبيحا ، أو منظرا شنيعا : ما أنكر وجه فلان ، وما أنكر منظره . وأما قوله : لَصَوْتُ الْحَمِيرِ فأضيف الصوت وهو واحد إلى الحمير وهي جماعة ، فإن ذلك لوجهين إن شئت ، قلت : الصوت بمعنى الجمع ، كما قيل لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وإن شئت قلت : معنى الحمير : معنى الواحد ، لأن الواحد في مثل هذا الموضع يؤدي عما يؤدي عنه الجمع . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً . . . كِتابٍ مُنِيرٍ يقول تعالى ذكره : أَ لَمْ تَرَوْا أيها الناس أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ من شمس وقمر ونجم وسحاب وَما فِي الْأَرْضِ من دابة وشجر وماء وبحر وفلك وغير ذلك من المنافع ، يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم لغذائكم وأقواتكم وأرزاقكم وملاذكم ، تتمتعون ببعض ذلك كله ، وتنتفعون بجميعه ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعض المكيين وعامة الكوفيين : " وأسبغ عليكم نعمة " على الواحدة ، ووجهوا معناها إلى أنه الإسلام ، أو إلى أنها شهادة أن لا إله إلا الله . وقرأته عامة قراء المدينة والبصرة : نِعَمَهُ على الجماع ، ووجهوا معنى ذلك ، إلى أنها النعم التي سخرها الله للعباد مما في السماوات والأرض ، واستشهدوا لصحة قراءتهم ذلك كذلك بقوله : شاكِراً لِأَنْعُمِهِ قالوا : فهذا جمع النعم . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار متقاربتا المعنى ، وذلك أن النعمة قد تكون بمعنى الواحدة ، ومعنى الجماع ، وقد يدخل في الجماع الواحدة . وقد قال جل ثناؤه وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها فمعلوم أنه لم يعن بذلك نعمة واحدة . وقال في موضع آخر : ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه ، فجمعها ، فبأي القراءتين قرأ القارئ ذلك فمصيب . ذكر بعض من قرأ ذلك على التوحيد ، وفسره على ما ذكرنا عن قارئيه أنهم يفسرونه : حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثني مستور الهنائي ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أنه قرأها : " وأسبغ عليكم نعمته ظاهرة وباطنة " وفسرها الإسلام . حدثت عن الفراء قال : ثني شريك بن عبد الله ، عن