محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن سبيل الله ، آيات كتاب الله ، فقرئت عليه وَلَّى مُسْتَكْبِراً يقول : أدبر عنها ، واستكبر استكبارا ، وأعرض عن سماع الحق والإجابة عنه كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً يقول : ثقلا ، فلا يطيق من أجله سماعه ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً قال : ثقلا . وقوله فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يقول تعالى ذكره : فبشر هذا المعرض عن آيات الله إذا تليت عليه استكبارا بعذاب له من الله يوم القيامة موجع ، وذلك عذاب النار . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يقول تعالى ذكره : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله فوحدوه ، وصدقوا رسوله واتبعوه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يقول : فأطاعوا الله ، فعملوا بما أمرهم في كتابه وعلى لسان رسوله ، وانتهوا عما نهاهم عنه لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ يقول : لهؤلاء بساتين النعيم خالِدِينَ فِيها يقول : ماكثين فيها إلى غير نهاية وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا يقول : وعدهم الله وعدا حقا ، لا شك فيه ولا خلف له وَهُوَ الْعَزِيزُ يقول : وهو الشديد في انتقامه من أهل الشرك به ، والصادين عن سبيله ، الْحَكِيمُ في تدبير خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ . . . مِنَ السَّماءِ ماءً . . . زَوْجٍ كَرِيمٍ يقول تعالى ذكره : ومن حكمته أنه خَلَقَ السَّماواتِ السبع بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وقد ذكرت فيما مضى اختلاف أهل التأويل في معنى قوله بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وبينا الصواب من القول في ذلك عندنا . وقد : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا معاذ بن معاذ ، عن عمران بن حدير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها قال : لعلها بعمد لا ترونها . حدثنا ابن وكيع وقال : ثنا العلاء بن عبد الجبار ، عن حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن الحسن بن مسلم ، عن مجاهد ، قال : إنها بعمد لا ترونها . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لعلها بعمد لا ترونها . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد ، عن سماك ، عن عكرمة في هذا الحرف خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها قال : ترونها بغير عمد ، وهي بعمد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها قال : قال الحسن وقتادة : إنها بغير عمد ترونها ، ليس لها عمد . وقال ابن عباس بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها قال : لها عمد لا ترونها . وقوله : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يقول : وجعل على ظهر الأرض رواسي ، وهي ثوابت الجبال أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أن لا تميد بكم . يقول : أن لا تضطرب بكم ، ولا تتحرك يمنة ولا يسرة ، ولكن تستقر بكم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أي جبالا أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أثبتها بالجبال ، ولولا ذلك ما أقرت عليها خلقا ، وذلك كما قال الراجز : والمهر يأبى أن يزال ملهبا بمعنى : لا يزال . وقوله : وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ يقول : وفرق في الأرض من كل أنواع الدواب . وقيل الدواب اسم لكل ما أكل وشرب ، وهو عندي لكل ما دب على الأرض . وقوله : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ يقول تعالى ذكره : وأنزلنا من السماء مطرا ، فأنبتنا بذلك المطر في الأرض من كل زوج ، يعني : من كل نوع من النبات كريم ، وهو الحسن النبتة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ أي حسن . القول في تأويل قوله تعالى : هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يقول