محمد بن جرير الطبري
29
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
شركهم ؛ وإنما يعني جل ثناؤه بذلك : أنه لم ينزل بما يقولون ويفعلون كتابا ، ولا أرسل به رسولا ، وإنما هو شيء افتعلوه واختلقوه ، اتباعا منهم لأهوائهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ يقول : أم أنزلنا عليهم كتابا فهو ينطق بشركهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ يقول تعالى ذكره : إذا أصاب الناس منا خصب ورخاء ، وعافية في الأبدان والأموال ، فرحوا بذلك ، وإن تصبهم منا شدة من جدب وقحط وبلاء في الأموال والأبدان بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يقول : بما أسلفوا من سيئ الأعمال بينهم وبين الله ، وركبوا من المعاصي إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ يقول : إذا هم ييأسون من الفرج ؛ والقنوط : هو الإياس ؛ ومنه قول حميد الأرقط . قد وجدوا الحجاج غير قانط وقوله : إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ هو جواب الجزاء ، لأن " إذا " نابت عن الفعل بدلالتها عليه ، فكأنه قيل : وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم وجدتهم يقنطون ، أو تجدهم ، أو رأيتهم ، أو تراهم . وقد كان بعض نحويي البصرة يقول : إذا كانت " إذا " جوابا لأنها متعلقة بالكلام الأول بمنزلة الفاء . القول في تأويل قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي يقول تعالى ذكره : أو لم ير هؤلاء الذين يفرحون عند الرخاء يصيبهم والخصب ، وييأسون من الفرج عند شدة تنالهم ، بعيون قلوبهم ، فيعلموا أن الشدة والرخاء بيد الله ، وأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده فيوسعه عليه ، ويقدر على من أراد فيضيقه عليه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يقول : إن في بسطه ذلك على من بسطه عليه ، وقدره على من قدره عليه ، ومخالفته بين من خالف بينه من عباده في الغنى والفقر ، لدلالة واضحة لمن صدق حجج الله وأقر بها إذا عاينها ورآها . القول في تأويل قوله تعالى : فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ الزكاة يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فأعط يا محمد ذا القرابة منك حقه عليك من الصلة والبر والمسكين وابن السبيل ، ما فرض الله لهما في ذلك ، كما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا غندر ، عن عوف ، عن الحسن فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ الزكاة قال : هو أن توفيهم حقهم إن كان عند يسر ، وإن لم يكن عندك فقل لهم قولا ميسورا ، قل لهم الخير . وقوله : ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : إيتاء هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله عباده ، خير للذين يريدون الله بإتيانهم ذلك وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يقول : ومن يفعل ذلك مبتغيا وجه الله به ، فأولئك هم المنجحون ، المدركون طلباتهم عند الله ، الفائزون بما ابتغوا والتمسوا بإيتائهم إياهم ما آتوا . القول في تأويل قوله تعالى : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ . . . وَجْهَ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : وما أعطيتم أيها الناس بعضكم بعضا من عطية لتزداد في أموال الناس برجوع ثوابها إليه ، ممن أعطاه ذلك ، فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ يقول : فلا يزداد ذلك عند الله ، لأن صاحبه لم يعطه من أعطاه مبتغيا به وجهه . وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ يقول : وما أعطيتم من صدقة تريدون بها وجه الله ، فَأُولئِكَ يعني الذين يتصدقون بأموالهم ملتمسين بذلك وجه الله هُمُ الْمُضْعِفُونَ