محمد بن جرير الطبري
28
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
المطيع لله ، الذي أناب إلى طاعة الله وأمره ، ورجع عن الأمور التي كان عليها قبل ذلك . كان القوم كفارا ، فنزعوا ورجعوا إلى الإسلام . وتأويل الكلام : فأقم وجهك يا محمد للدين حنيفا منيبين إليه إلى الله ؛ فالمنيبون حال من الكاف التي في وجهك . فإن قال قائل : وكيف يكون حالا منها ، والكاف كناية عن واحد ، والمنيبون صفة لجماعة ؟ قيل : لأن الأمر من الكاف كناية اسمه من الله في هذا الموضع أمر منه له ولأمته ، فكأنه قيل له : فأقم وجهك أنت وأمتك للدين حنيفا لله ، منيبين إليه . وقوله : وَاتَّقُوهُ يقول جل ثناؤه : وخافوا الله وراقبوه أن تفرطوا في طاعته ، وتركبوا معصيته . وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول : ولا تكونوا من أهل الشرك بالله بتضييعكم فرائضه ، وركوبكم معاصيه ، وخلافكم الدين الذي دعاكم إليه . وقوله : مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً يقول : ولا تكونوا من المشركين الذين بدلوا دينهم ، وخالفوه ففارقوه وَكانُوا شِيَعاً يقول : وكانوا أحزابا فرقا كاليهود والنصارى . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً وهم اليهود والنصارى . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً إلى آخر الآية ، قال : هؤلاء يهود ، فلو وجه قوله مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ إلى أنه خبر مستأنف منقطع عن قوله : وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وأن معناه : من الذين فرقوا دينهم وَكانُوا شِيَعاً أحزابا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ كان وجها يحتمله الكلام . وقوله : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ يقول : كل طائفة وفرقة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم الحق ، فأحدثوا البدع التي أحدثوا بما لديهم فرحون . يقول : بما هم به متمسكون من المذهب ، فرحون مسرورون ، يحسبون أن الصواب معهم دون غيرهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره : وإذا مس هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر ضر ، فأصابتهم شدة وجدوب وقحوط دَعَوْا رَبَّهُمْ يقول : أخلصوا لربهم التوحيد ، وأفردوه بالدعاء والتضرع إليه ، واستغاثوا به منيبين إليه ، تائبين إليه من شركهم وكفرهم ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً يقول : ثم إذا كشف ربهم تعالى ذكره عنهم ذلك الضر وفرجه عنهم وأصابهم برخاء وخصب وسعة ، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يقول : إذا جماعة منهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ يقول : يعبدون معه الآلهة والأوثان . القول في تأويل قوله تعالى : لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره متوعدا لهؤلاء المشركين الذين أخبر عنهم أنه إذا كشف الضر عنهم كفروا به ، ليكفروا بما أعطيناهم ، يقول : إذا هم بربهم يشركون ، كي يكفروا : أي يجحدوا النعمة التي أنعمتها عليهم بكشفي عنهم الضر الذي كانوا فيه ، وإبدالي ذلك لهم بالرخاء والخصب العافية ، وذلك الرخاء والسعة هو الذي آتاهم تعالى ذكره ، الذي قال : بِما آتَيْناهُمْ وقوله فَتَمَتَّعُوا يقول : فتمتعوا أيها القوم بالذي آتيناكم من الرخاء والسعة في هذه الدنيا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ إذا وردتم على ربكم ما تلقون من عذابه ، وعظيم عقابه على كفركم به في الدنيا . وقد قرأ بعضهم : " فسوف يعلمون " بالياء ، بمعنى : ليكفروا بما آتيناهم ، فقد تمتعوا على وجه الخبر ، فسوف يعلمون . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره : أم أنزلنا على هؤلاء الذين يشركون في عبادتنا الآلهة والأوثان ، كتابا بتصديق ما يقولون ، وبحقيقة ما يفعلون فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ يقول : فذلك الكتاب ينطق بصحة