محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وما أشبه ذلك ، وإن عصاه فيما يكسبه بقوله ، وفيما له السبيل إلى اختياره وإيثاره على خلافه . وإنما قلت : ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك ، لأن العصاة من خلقه فيما لهم السبيل إلى اكتسابه كثير عددهم ، وقد أخبر تعالى ذكره عن جميعهم أنهم له قانتون ، فغير جائز أن يخبر عمن هو عاص أنه له قانت فيما هو له عاص . وإذا كان ذلك كذلك ، فالذي فيه عاص هو ما وصفت ، والذي هو له قانت ما بينت . وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يقول تعالى ذكره : والذي له هذه الصفات تبارك وتعالى ، هو الذي يبدأ الخلق من غير أصل فينشئه ويوجده ، بعد أن لم يكن شيئا ، ثم يفنيه بعد ذلك ، ثم يعيده ، كما بدأه بعد فنائه ، وهو أهون عليه . اختلف أهل التأويل ، في معنى قوله : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ فقال بعضهم : معناه : وهو هين عليه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن سعيد العطار ، عن سفيان عمن ذكره ، عن منذر الثوري ، عن الربيع بن خيثم وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال : ما شيء عليه بعزيز . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يقول : كل شيء عليه هين . وقال آخرون : معناه : وإعادة الخلق بعد فنائهم أهون عليه من ابتداء خلقهم . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال : يقول : أيسر عليه . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال : الإعادة أهون عليه من البداءة ، والبداءة عليه هين . حدثني ابن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن سماك ، عن عكرمة قرأ هذا الحرف وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال : تعجب الكفار من إحياء الله الموتى ، قال : فنزلت هذه الآية وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ إعادة الخلق أهون عليه من إبداء الخلق . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا غندر ، عن شعبة ، عن سماك ، عن عكرمة بنحوه ، إلا أنه قال : إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ يقول : إعادته أهون عليه من بدئه ، وكل على الله هين . وفي بعض القراءة : وكل على الله هين . وقد يحتمل هذا الكلام وجهين ، غير القولين اللذين ذكرت ، وهو أن يكون معناه : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ، وهو أهون على الخلق : أي إعادة الشيء أهون على الخلق من ابتدائه . والذي ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي حدثني به ابن سعد ، قول أيضا له وجه . وقد وجه غير واحد من أهل العربية قول ذي الرمة : أخي قفرات دببت في عظامه * شفافات أعجاز الكرى فهو أخضع إلى أنه بمعنى خاضع ؛ وقول الآخر : لعمرك إن الزبرقان لباذل * لمعروفه عند السنين وأفضل كريم له عن كل ذم تأخر * وفي كل أسباب المكارم أول إلى أنه بمعنى : وفاضل ؛ وقول معن : لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أينا تعدو المنية أول إلى أنه بمعنى : وإني لوجل ؛ وقول الآخر : تمنى امرئ القيس موتي وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد