محمد بن جرير الطبري
25
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إلى أنه بمعنى : لست فيها بواحد ؛ وقول الفرزدق : إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول إلى أنه بمعنى : عزيزة طويلة . قالوا : ومنه قولهم في الأذان : الله أكبر ، بمعنى : الله كبير ؛ وقالوا : إن قال قائل : إن الله لا يوصف بهذا ، وإنما يوصف به الخلق ، فزعم أنه وهو أهون على الخلق ، فإن الحجة عليه قول الله : وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وقوله : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما أي لا يثقله حفظهما . وقوله : وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى يقول : ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض ، وهو أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له ، ليس كمثله شيء ، فذلك المثل الأعلى ، تعالى ربنا وتقدس . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ يقول : ليس كمثله شيء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مثله أنه لا إله إلا هو ، ولا رب غيره . وقوله : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يقول تعالى ذكره : وهو العزيز في انتقامه من أعدائه ، الحكيم في تدبيره خلقه ، وتصريفهم فيما أراد من إحياء وإماتة ، وبعث ونشر ، وما شاء . القول في تأويل قوله تعالى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ يقول تعالى ذكره : مثل لكم أيها القوم ربكم مثلا من أنفسكم ، هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يقول : من مماليككم من شركاء ، فِي ما رَزَقْناكُمْ من مال ، فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ وهم . يقول : فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء في عبادتكم إياي ، وأنتم وهم عبيدي ومماليكي ، وأنا مالك جميعكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ قال : مثل ضربه الله لمن عدل به شيئا من خلقه ، يقول : أكان أحدكم مشاركا مملوكه في فراشه وزوجته ، فكذلكم الله لا يرضى أن يعدل به أحد من خلقه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ قال : هل تجد أحدا يجعل عبده هكذا في ماله ، فكيف تعمد أنت وأنت تشهد أنهم عبيدي وخلقي ، وتجعل لهم نصيبا في عبادتي ، كيف يكون هذا ؟ قال : وهذا مثل ضربه الله لهم ، وقرأ : كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ فقال بعضهم : معنى ذلك : تخافون هؤلاء الشركاء مما ملكت أيمانكم أن يرثوكم أموالكم من بعد وفاتكم ، كما يرث بعضكم بعضا . ذكر من قال ذلك : حديث عن حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قال : في الآلهة ، وفيه يقول : تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا . وقال آخرون : بل معنى ذلك : تخافون هؤلاء الشركاء مما ملكت أيمانكم أن يقاسموكم أموالكم ، كما تقاسم بعضا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر ، قال : سمعت عمران قال : قال أبو مجلز : إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك ، وليس له ذلك ، كذلك الله لا شريك له . وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك القول الثاني ، لأنه أشبههما بما دل عليه ظاهر الكلام ، وذلك أن الله جل ثناؤه وبخ