محمد بن جرير الطبري
95
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فبعث الله إليهم جبرائيل صلى الله عليه وسلم ، فانتسف المدينة وما فيها بأحد جناحيه ، فجعل عاليها سافلها ، وتتبعهم بالحجارة بكل أرض . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم للرسل من الملائكة ، إذ قالوا له : إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ فلم يستثنوا منهم أحدا ، إذ وصفوهم بالظلم : إن فيها لوطا ، وليس من الظالمين ، بل هو من رسل الله ، وأهل الإيمان به ، والطاعة له ، فقالت الرسل له : نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها من الظالمين الكافرين بالله منك ، وإن لوطا ليس منهم ، بل هو كما قلت من أولياء الله ، لننجينه وأهله من الهلاك الذي هو نازل بأهل قريته إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ الذين أبقتهم الدهور والأيام ، وتطاولت أعمارهم وحياتهم ، وإنها هالكة من بين أهل لوط مع قومها . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ يقول تعالى ذكره : وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً من الملائكة سِيءَ بِهِمْ يقول : ساءته الملائكة بمجيئهم إليه ، وذلك أنهم تضيفوه ، فساءوه بذلك ، فقوله سِيءَ بِهِمْ فعل بهم ، من ساءه بذلك . وذكر عن قتادة أنه كان يقول : ساء ظنه بقومه ، وضاق بضيفه ذرعا . حدثنا بذلك الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عنه قتادة وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً يقول : وضاق ذرعه بضيافتهم لما علم من خبث فعل قومه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً قال : بالضيافة مخافة عليهم مما يعلم من شر قومه . وقوله : وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ يقول تعالى ذكره : قالت الرسل للوط : لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ، ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم ، وذلك أن الرسل قالت له : يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إِنَّا مُنَجُّوكَ من العذاب الذي هو نازل بقومك . وَأَهْلَكَ يقول : ومنجو أهلك معك إِلَّا امْرَأَتَكَ فإنها هالكة فيمن يهلك من قومها ، كانت من الباقين الذين طالت أعمارهم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الرسل للوط إِنَّا مُنْزِلُونَ يا لوط عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ سدوم رِجْزاً مِنَ السَّماءِ يعني عذابا . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً أي عذابا . وقد بينا معنى الرجز وما فيه من أقوال أهل التأويل فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يقول : بما كانوا يأتون من معصية الله ، ويركبون من الفاحشة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يقول تعالى ذكره : ولقد أبقينا من فعلتنا التي فعلنا بهم آية ، يقول : عبرة بينة وعظة واعظة ، لقوم يعقلون عن الله حججه ، ويتفكرون في مواعظه ، وتلك الآية البينة هي عندي عفو آثارهم ، ودروس معالمهم . وذكر عن قتادة في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ قال : هي الحجارة التي أمطرت عليهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله مِنْها آيَةً بَيِّنَةً قال : عبرة . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يقول تعالى ذكره : وأرسلت إلى مدين أخاهم شعيبا ، فقال لهم : يا قوم اعبدوا الله وحده ، وذلوا له بالطاعة ، واخضعوا له بالعبادة وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ يقول : وارجوا بعبادتكم إياي جزاء اليوم الآخر ، وذلك يوم القيامة وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يقول : ولا تكثروا في الأرض معصية الله ، ولا تقيموا عليها ، ولكن