محمد بن جرير الطبري

96

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

توبوا إلى الله منها وأنيبوا . وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يتأول قوله : وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ بمعنى : وأخشوا اليوم الآخر . وكان غيره من أهل العلم بالعربية ينكر ذلك ويقول : لم نجد الرجاء بمعنى الخوف في كلام العرب إلا إذا قارنه الجحد . القول في تأويل قوله تعالى : فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ يقول تعالى ذكره : فكذب أهل مدين شعيبا فيما أتاهم به عن الله من الرسالة ، فأخذتهم رجفة العذاب فأصبحوا في دارهم جاثمين جثوما ، بعضهم على بعض موتى . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ أي ميتين . القول في تأويل قوله تعالى : وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ يقول تعالى ذكره : واذكروا أيها القوم عادا وثمود ، وقد تبين لكم من مساكنهم خرابها وخلاؤها منهم بوقائعنا بهم ، وحلول سطوتنا بجميعهم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يقول : وحسن لهم الشيطان كفرهم بالله ، وتكذيبهم رسله فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ يقول : فردهم بتزيينه لهم ما زين لهم من الكفر ، عن سبيل الله ، التي هي الإيمان به ورسله ، وما جاءوهم به من عند ربهم وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ يقول : وكانوا مستبصرين في ضلالتهم ، معجبين بها ، يحسبون أنهم على هدى وصواب ، وهم على الضلال . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ، وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ يقول : كانوا مستبصرين في دينهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ في الضلالة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ في ضلالتهم معجبين بها . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ يقول : في دينهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ يقول تعالى ذكره : واذكر يا محمد قارون وفرعون وهامان ، ولقد جاء جميعهم موسى بالبينات ، يعني بالواضحات من الآيات ، فاستكبروا في الأرض عن التصديق بالبينات من الآيات ، وعن اتباع موسى صلوات الله عليه وَما كانُوا سابِقِينَ يقول تعالى ذكره : وما كانوا سابقينا بأنفسهم ، فيفوتونا ، بل كنا مقتدرين عليهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا . . . يَظْلِمُونَ يقول تعالى ذكره : فأخذنا جميع هذه الأمم التي ذكرناها لك يا محمد بعذابنا فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وهم قوم لوط ، الذين أمطر الله عليهم حجارة من سجيل منضود ، والعرب تسمي الريح العاصف التي فيها الحصى الصغار أو الثلج أو البرد والجليد حاصبا ؛ ومنه قول الأخطل : ولقد علمت إذا العشار تروحت * هدج الرئال يكبهن شمالا ترمي العضاه بحاصب من ثلجها * حتى يبيت على العضاه جفالا وقال الفرزدق : مستقبلين شمال الشام تضربنا * بحاصب كنديف القطن منثور وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً قوم لوط .