محمد بن جرير الطبري
77
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
العدو ، ثم تستعمل ذلك العرب في كل جماعة كانت عونا للرجل ، وظهرا له ؛ ومنه قول خفاف : فلم أر مثلهم حيا لقاحا * وخدل بين فاضحة وحجر أشد على صروف الدهر آدا * وأكبر منهم فئة بصبر القول في تأويل قوله تعالى : وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ يقول تعالى ذكره : وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس من الدنيا ، وغناه وكثرة ماله ، وما بسط له منها بالأمس ، يعني قبل أن ينزل به ما نزل من سخط الله وعقابه ، يقولون : ويكأن الله اختلف في معنى وَيْكَأَنَّ اللَّهَ فأما قتادة ، فإنه روي عنه في ذلك قولان : أحدهما ما : حدثنا به ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن خالد بن عثمة ، قال : ثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، قال في قوله وَيْكَأَنَّهُ قال : ألم تر أنه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَيْكَأَنَّهُ : أو لا ترى أنه . وحدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعي ، قال : ثنا محمد بن كثير ، قال : ثني معمر ، عن قتادة : وَيْكَأَنَّهُ قال : ألم تر أنه . والقول الآخر ، ما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ قال : أو لم يعلم أن الله وَيْكَأَنَّهُ : أو لا يعلم أنه . وتأول هذا التأويل الذي ذكرناه عن قتادة في ذلك أيضا بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة ، واستشهد لصحة تأويله ذلك كذلك ، بقول الشاعر : سألتاني الطلاق أن رأتاني * قل مالي ، قد جئتماني بنكر ويكأن من يكن له نشب يح * بب ومن يفتقر يعيش عيش ضر وقال بعض نحويي الكوفة : " ويكأن " في كلام العرب : تقرير ، كقول الرجل : أما ترى إلى صنع الله وإحسانه وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها : أين ابننا ؟ فقال : ويكأنه وراء البيت . معناه : أما ترينه وراء البيت قال : وقد يذهب بها بعض النحويين إلى أنها كلمتان ، يريد : ويك أنه ، كأنه أراد : ويلك ، فحذف اللام ، فتجعل " أن " مفتوحة بفعل مضمر ، كأنه قال : ويلك اعلم أنه وراء البيت ، فأضمر " اعلم " . قال : ولم نجد العرب تعمل الظن مضمرا ، ولا العلم وأشباهه في " أن " ، وذلك أنه يبطل إذا كان بين الكلمتين ، أو في آخر الكلمة ، فلما أضمر جرى مجرى المتأخر ؛ ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن يقول : يا هذا ، أنك قائم ، ويا هذا أن قمت ، يريد : علمت ، أو اعلم ، أو ظننت ، أو أظن . وأما حذف اللام من قولك : ويلك حتى تصير : ويك ، فقد تقوله العرب ، لكثرتها في الكلام ، قال عنترة : ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها * قول الفوارس ويك عنتر أقدم قال : وقال آخرون : إن معنى قوله وَيْكَأَنَّ : " وي " منفصلة من كأن ، كقولك للرجل : وي أما ترى ما بين يديك ؟ فقال : " وي " ثم استأنف ، كأن الله يبسط الرزق ، وهي تعجب ، وكأن في معنى الظن والعلم ، فهذا