محمد بن جرير الطبري

78

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وجه يستقيم . قال : ولم تكتبها العرب منفصلة ، ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة ، وقد يجوز أن تكون كثر بها الكلام ، فوصلت بما ليست منه . وقال آخر منهم : إن " وي " : تنبيه ، وكأن حرف آخر غيره ، بمعنى : لعل الأمر كذا ، وأظن الأمر كذا ، لأن كأن بمنزلة أظن وأحسب وأعلم . وأولى الأقوال في ذلك بالصحة : القول الذي ذكرنا عن قتادة ، من أن معناه : ألم تر ، ألم تعلم ، للشاهد الذي ذكرنا فيه من قول الشاعر ، والرواية عن العرب ؛ وأن " ويكأن " في خط المصحف حرف واحد . ومتى وجه ذلك إلى غير التأويل الذي ذكرنا عن قتادة ، فإنه يصير حرفين ، وذلك أنه إن وجه إلى قول من تأوله بمعنى : ويلك اعلم أن الله ، وجب أن يفصل " ويك " من " أن " ، وذلك خلاف خط جميع المصاحف ، مع فساده في العربية ، لما ذكرنا . وإن وجه إلى قول من يقول : " وي " بمعنى التنبيه ، ثم استأنف الكلام بكأن ، وجب أن يفصل " وي " من " كأن " ، وذلك أيضا خلاف خطوط المصاحف كلها . فإذا كان ذلك حرفا واحدا ، فالصواب من التأويل : ما قاله قتادة ، وإذ كان ذلك هو الصواب ، فتأويل الكلام : وأصبح الذين تمنوا مكان قارون وموضعه من الدنيا بالأمس ، يقولون لما عاينوا ما أحل الله به من نقمته ، ألم تر يا هذا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ، فيوسع عليه ، لا لفضل منزلته عنده ، ولا لكرامته عليه ، كما كان بسط من ذلك لقارون ، لا لفضله ولا لكرامته عليه . وَيَقْدِرُ يقول : ويضيق على من يشاء من خلقه ذلك ، ويقتر عليه ، لا لهوانه ، ولا لسخطه عمله . وقوله : لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا يقول : لولا أن تفضل علينا ، فصرف عنا ما كنا نتمناه بالأمس ، لَخَسَفَ بِنا . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار سوى شيبة : " لخسف بنا " بضم الخاء ، وكسر السين وذكر عن شيبة والحسن : لَخَسَفَ بِنا بفتح الخاء والسين ، بمعنى : لخسف الله بنا . وقوله : وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ يقول : ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون ، فتنجح طلباتهم . القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً يقول تعالى ذكره : تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرا عن الحق في الأرض وتجبرا عنه وَلا فَساداً يقول : ولا ظلم الناس بغير حق ، وعملا بمعاصي الله فيها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا عبد الله بن المبارك ، عن زياد بن أبي زياد ، قال : سمعت عكرمة يقول لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً قال : العلو : التجبر . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مسلم البطين تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً قال : العلو : التكبر في الحق ، والفساد : الأخذ بغير الحق . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مسلم البطين : لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ قال : التكبر في الأرض بغير الحق وَلا فَساداً أخذ المال بغير حق . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد بن حبير : لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ قال : البغي . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ قال : تعظما وتحبرا ، وَلا فَساداً : عملا بالمعاصي .