محمد بن جرير الطبري

76

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فقال لها : هل لك أن أمولك وأعطيك ، وأخلطك في نسائي ، على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي ، فتقولي : يا قارون ، ألا تنهى عني موسى قالت : بلى . فلما جلس قارون ، وجاء الملأ من بني إسرائيل ، أرسل إليها ، فجاءت فقامت بين يديه ، فقلب الله قلبها ، وأحدث لها توبة ، فقالت في نفسها : لأن أحدث اليوم توبة ، أفضل من أن أو ذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكذب عدو الله له . فقالت : إن قارون قال لي : هل لك أن أمولك وأعطيك ، وأخلطك بنسائي ، على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي ، فتقولي : يا قارون ألا تنهى عني موسى ، فلم أجد توبة أفضل من أن لا أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكذب عدو الله ؛ فلما تكلمت بهذا الكلام ، سقط في يدي قارون ، ونكس رأسه ، وسكت الملأ ، وعرف أنه قد وقع في هلكة ، وشاع كلامها في الناس ، حتى بلغ موسى ؛ فلما بلغ موسى اشتد غضبه ، فتوضأ من الماء ، وصلى وبكى ، وقال : يا رب عدوك لي مؤذ ، أراد فضيحتي وشيني ، يا رب سلطني عليه . فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت تطعك . فجاء موسى إلى قارون ؛ فلما دخل عليه ، عرف الشر في وجه موسى له ، فقال : يا موسى ارحمني ؛ قال : يا أرض خذيهم ، قال : فاضطربت داره ، وساخت بقارون وأصحابه إلى الكعبين ، وجعل يقول : يا موسى ، فأخذتهم إلى ركبهم ، وهو يتضرع إلى موسى : يا موسى ارحمني ؛ قال : يا أرض خذيهم ، قال فاضطربت داره وساخت ، وخسف بقارون وأصحابه إلى سررهم ، وهو يتضرع إلى موسى : يا موسى ارحمني ؛ قال : يا أرض خذيهم ، فخسف به وبداره وأصحابه . قال : وقيل لموسى صلى الله عليه وسلم : يا موسى ما أفظك . أما وعزتي لو إياي نادى لأجبته . حدثني بشر بن هلال ، قال : ثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني ، قال : بلغني أنه قيل لموسى : لا أعبد الأرض لأحد بعدك أبدا . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الحميد الحماني ، عن سفيان ، عن الأغر بن الصباح ، عن خليفة بن حصين ، قال عبد الحميد ، عن أبي نصر ، عن ابن عباس ، ولم يذكر ابن مهدي أبا نصر فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ قال : الأرض السابعة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : بلغنا أنه يخسف به كل يوم مئة قامة ، ولا يبلغ أسفل الأرض إلى يوم القيامة ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا زيد بن حبان ، عن جعفر بن سليمان ، قال : سمعت مالك بن دينار ، قال : بلغني أن قارون يخسف به كل يوم مئة قامة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ ذكر لما أنه يخسف به كل يوم قامة ، وأنه يتجلجل فيها ، لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة . وقوله : فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يقول : فلم يكن له جند يرجع إليهم ، ولا فئة ينصرونه لما نزل به من سخطه ، بل تبرءوا منه . وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ يقول : ولا كان هو ممن ينتصر من الله إذا أحل به نقمته ، فيمتنع لقوته منها . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ أي جند ينصرونه ، وما عنده منعة يمتنع بها من الله . وقد بينا معنى الفئة فيما مضى وأنها الجماعة من الناس ، وأصلها الجماعة التي يفيء إليها الرجل عند الحاجة إليهم ، للعون على