محمد بن جرير الطبري
17
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من الفزع الذي قد جرى ذكره قبله . وإذا كان ذلك كذلك ، كان لا شك أنه معرفة ، وأن الإضافة إذا كان معرفة به أولى من ترك الإضافة ؛ وأخرى أن ذلك إذا أضيف فهو أبين أنه خبر عن أمانه من كل أهوال ذلك اليوم منه إذا لم يضف ذلك ، وذلك أنه إذا لم يضف كان الأغلب عليه أنه جعل الأمان من فزع بعض أهواله . وقوله : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره . يقال لهم : هل تجزون أيها المشركون إلا ما كنتم تعملون ، إذ كبكم الله لوجوهكم في النار ، وإلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا بما يسخط ربكم ؛ وترك " يقال لهم " اكتفاء بدلالة الكلام عليه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد قل إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ وهي مكة الَّذِي حَرَّمَها على خلقه أن يسفكوا فيها دما حراما ، أو يظلموا فيها أحدا ، أو يصاد صيدها ، أو يختلى خلاها دون الأوثان التي تعبدونها أيها المشركون . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني : مكة . وقوله : وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ يقول : ولرب هذه البلدة الأشياء كلها ملكا . فإياه أمرت أن أعبد ، لا من لا يملك شيئا . وإنما قال جل ثناؤه : رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها فخصها بالذكر دون سائر البلدان ، وهو رب البلاد كلها ، لأنه أراد تعريف المشركين من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين هم أهل مكة ، بذلك نعمته عليهم ، وإحسانه إليهم ، وأن الذي ينبغي لهم أن يعبدوه هو الذي حرم بلدهم ، فمنع الناس منهم ، وهم في سائر البلاد يأكل بعضهم بعضا ، ويقتل بعضهم بعضا ، لا من لم تجر له عليهم نعمة ، ولا يقدر لهم على نفع ولا ضر . وقوله : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يقول : وأمرني ربي أن أسلم وجهي له حنيفا ، فأكون من المسلمين الذين دانوا بدين خليله إبراهيم وجدكم أيها المشركون ، لا من خالف دين جده المحق ، ودان دين إبليس عدو الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يقول تعالى ذكره : قل إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ و أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ ، فَمَنِ اهْتَدى يقول : فمن تبعني وآمن بي وبما جئت به ، فسلك طريق الرشاد فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يقول : فإنما يسلك سبيل الصواب باتباعه إياي ، وإيمانه بي ، وبما جئت به لنفسه ، لأنه بإيمانه بي ، وبما جئت به يأمن نقمته في الدنيا وعذابه في الآخرة . وقوله : وَمَنْ ضَلَّ يقول : ومن جار عن قصد السبيل بتكذيبه بي وبما جئت به من عند الله فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ يقول تعالى ذكره : فقل يا محمد لمن ضل عن قصد السبيل ، وكذبك ، ولم يصدق بما جئت به من عندي ، إنما أنا ممن ينذر قومه عذاب الله وسخطه على معصيتهم إياه ، وقد أنذرتكم ذلك معشر كفار قريش ، فإن قبلتم وانتهيتم عما يكرهه الله منكم من الشرك به ، فحظوظ أنفسكم تصيبون ، وإن رددتم وكذبتم فعلى أنفسكم جنيتم ، وقد بلغتكم ما أمرت بإبلاغه إياكم ، ونصحت لكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلِ يا محمد لهؤلاء القائلين لك من مشركي قومك : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمته علينا بتوفيقه إيانا للحق الذي أنتم عنه عمون ، سيريكم ربكم آيات عذابه وسخطه ، فتعرفون بها حقيقة نصحي كان لكم ، ويتبين صدق ما دعوتكم إليه من الرشاد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال