محمد بن جرير الطبري
54
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن عكرمة ومجاهد نحوه . ويعني بقوله يَوْمَ الدِّينِ يوم الحساب ، يوم المجازاة . وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى . القول في تأويل قوله تعالى : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن مسألة خليله إبراهيم إياه رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً يقول : رب هب لي نبوة . وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يقول : واجعلني رسولا إلى خلقك ، حتى تلحقني بذلك بعداد من أرسلته من رسلك إلى خلقك ، وائتمنته على وحيك ، واصطفيته لنفسك . وقوله : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ يقول : واجعل لي في الناس ذكرا جميلا ، وثناء حسنا ، باقيا فيمن يجيء من القرون بعدي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن عكرمة ، قوله : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ، قوله وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا قال : إن الله فضله بالخلة حين اتخذه خليلا ، فسأل الله فقال : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ حتى لا تكذبني الأمم ، فأعطاه الله ذلك ، فإن اليهود آمنت بموسى ، وكفرت بعيسى ، وإن النصارى آمنت بعيسى ، وكفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وكلهم يتولى إبراهيم ؛ قالت اليهود : هو خليل الله وهو منا ، فقطع الله ولايتهم منه بعد ما أقروا له بالنبوة وآمنوا به ، فقال : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا ، وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثم ألحق ولايته بكم فقال : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ، وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ فهذا أجره الذي عجل له ، وهي الحسنة ، إذ يقول : وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ قال : اللسان الصدق : الذكر الصدق ، والثناء الصالح ، والذكر الصالح في الآخرين من الناس ، من الأمم . القول في تأويل قوله تعالى : وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . . . يَوْمَ يُبْعَثُونَ يعني إبراهيم صلوات الله عليه بقوله : وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ أورثني يا رب من منازل من هلك من أعدائك المشركين بك من الجنة ، وأسكني ذلك . وَاغْفِرْ لِأَبِي يقول : واصفح لأبي عن شركه بك ، ولا تعاقبه عليه إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ يقول : إنه كان ممن ضل عن سبيل الهدى ، فكفر بك . وقد بينا المعنى الذي من أجله استغفر إبراهيم لأبيه صلوات الله عليه ، واختلاف أهل العلم في ذلك ، والصواب عندنا من القول فيه فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يقول : ولا تذلني بعقابك إياي يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة . يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ يقول : لا تخزني يوم لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا مال كان له في الدنيا ، ولا بنوه الذين كانوا له فيها ، فيدفع ذلك عنه عقاب الله إذا عاقبه ، ولا ينجيه منه . وقوله : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يقول : ولا تخزني يوم يبعثون ، يوم لا ينفع إلا القلب السليم . والذي عني به من سلامة القلب في هذا الموضع : هو سلامة القلب من الشك في توحيد الله ، والبعث بعد الممات . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن عون ، قال : قلت لمحمد : ما القلب السليم ؟ قال : أن يعلم أن الله حق ، وأن الساعة قائمة ، وأن الله يبعث من في القبور . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قال : لا شك فيه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ،