محمد بن جرير الطبري

40

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ قال : حسن القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يقول تعالى ذكره : إن في إنباتنا في الأرض من كل زوج كريم لآية . يقول : لدلالة لهؤلاء المشركين المكذبين بالبعث ، على حقيقته ، وأن القدرة التي بها أنبت الله في الأرض ذلك النبات بعد جدوبها ، لن يعجزه أن ينشر بها الأموات بعد مماتهم ، أحياء من قبورهم . وقوله : وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يقول : وما كان أكثر هؤلاء المكذبين بالبعث ، الجاحدين نبوتك يا محمد ، بمصدقيك على ما تأتيهم به من عند الله من الذكر . يقول جل ثناؤه : وقد سبق في علمي أنهم لا يؤمنون ، فلا يؤمن بك أكثرهم للسابق من علمي فيهم . وقوله : وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ يقول : وإن ربك يا محمد لهو العزيز في نقمته ، لا يمتنع عليه أحد أراد الانتقام منه . يقول تعالى ذكره : وإني إن أحللت بهؤلاء المكذبين بك يا محمد ، المعرضين عما يأتيهم من ذكر من عندي ، عقوبتي بتكذيبهم إياك ، فلن يمنعهم مني مانع ، لأني أنا العزيز الرحيم ، يعني أنه ذو الرحمة بمن تاب من خلقه من كفره ومعصيته ، أن يعاقبه على ما سلف من جرمه بعد توبته . وكان ابن جريج يقول في معنى ذلك ، ما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني الحجاج ، عن ابن جريج قال : كل شيء في الشعراء من قوله " عزيز رحيم " فهو ما أهلك ممن مضى من الأمم ، يقول عزيز ، حين انتقم من أعدائه ، رحيم بالمؤمنين ، حين أنجاهم مما أهلك به أعداءه . قال أبو جعفر : وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك في هذا الموضع ، لأن قوله : وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ عقيب وعيد الله قوما من أهل الشرك والتكذيب بالبعث ، لم يكونوا أهلكوا ، فيوجه إلى أنه خبر من الله عن فعله بهم وإهلاكه . ولعل ابن جريج بقوله هذا أراد ما كان من ذلك عقيب خبر الله عن إهلاكه من أهلك من الأمم ، وذلك إن شاء الله إذا كان عقيب خبرهم كذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى . . . قَوْمَ فِرْعَوْنَ يقول تعالى ذكره : واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى بن عمران . أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني الكافرين قوم فرعون ، ونصب القوم الثاني ترجمة عن القوم الأول ، وقوله أَ لا يَتَّقُونَ يقول : ألا يتقون عقاب الله على كفرهم به . ومعنى الكلام : قوم فرعون فقل لهم : ألا يتقون . وترك إظهار فقل لهم لدلالة الكلام عليه . وإنما قيل : ألا يتقون بالياء ، ولم يقل ألا تتقون بالتاء ، لأن التنزيل كان قبل الخطاب ، ولو جاءت القراءة فيها بالتاء كان صوابا ، كما قيل : قل للذين كفروا سيغلبون و " ستغلبون " القول في تأويل قوله تعالى : قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ . . . لِسانِي يقول تعالى ذكره : قالَ موسى لربه رَبِّ إِنِّي أَخافُ من قوم فرعون الذين أمرتني أن آتيهم أَنْ يُكَذِّبُونِ بقيلي لهم : إنك أرسلتني إليهم . وَيَضِيقُ صَدْرِي من تكذيبهم إياي إن كذبوني . ورفع قوله : وَيَضِيقُ صَدْرِي عطفا به على أخاف ، وبالرفع فيه قرأته عامة قراء الأمصار ، ومعناه : وإني يضيق صدري . وقوله : وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي يقول : ولا ينطلق بالعبارة عما ترسلني به إليهم ، للعلة التي كانت بلسانه . وقوله : وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي كلام معطوف به على يضيق . وقوله : فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ يعني هارون أخاه ، ولم يقل : فأرسل إلي هارون ليؤازرني وليعينني ، إذ كان مفهوما معنى الكلام ، وذلك كقول القائل : لو نزلت بنا نازلة لفزعنا إليك ، بمعنى : لفزعنا إليك لتعيننا . وقوله : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يقول : ولقوم فرعون علي دعوى ذنب أذنبت إليهم ، وذلك قتله النفس التي قتلها منهم .