محمد بن جرير الطبري
14
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قبضه . واختلف أهل التأويل في معنى قوله يَسِيراً فقال بعضهم : معناه : سريعا . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً يقول : سريعا . وقال آخرون : بل معناه : قبضا خفيا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن مجاهد : ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً قال : خفيا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : قَبْضاً يَسِيراً قال : خفيا ، قال : إن ما بين الشمس والظل مثل الخيط ، واليسير الفعيل من اليسر ، وهو السهل الهين في كلام العرب . فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك ، يتوجه لما روي عن ابن عباس ومجاهد ، لأن سهولة قبض ذلك قد تكون بسرعة وخفاء . وقيل إنما قيل ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً لأن الظل بعد غروب الشمس لا يذهب كله دفعة ، ولا يقبل الظلام كله جملة ، وإنما يقبض ذلك الظل قبضا خفيا ، شيئا بعد شيء ويعقب كل جزء منه يقبضه ، جزء من الظلام . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً يقول تعالى ذكره : الذي مد الظل ثم جعل الشمس عليه دليلا ، هو الذي جعل لكم أيها الناس الليل لباسا . وإنما قال جل ثناؤه : جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً لأنه جعله لخلقه جنة يجتنون فيها ويسكنون فصار لهم سترا يستترون به ، كما يستترون بالثياب التي يكسونها . وقوله وَالنَّوْمَ سُباتاً يقول : وجعل لكم النوم راحة تستريح به أبدانكم ، وتهدأ به جوارحكم . وقوله وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً يقول تعالى ذكره : وجعل النهار يقظة وحياة ، من قولهم : نشر الميت ، كما قال الأعشى : حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر ومنه قول الله : لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما : حدثني محمد بن عمرو ، قال ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً قال : ينشر فيه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك ، لأنه عقيب قوله وَالنَّوْمَ سُباتاً في الليل . فإذ كان ذلك كذلك ، فوصف النهار بأن فيه اليقظة والنشور من النوم أشبه إذ كان النوم أخا الموت . والذي قاله مجاهد غير بعيد من الصواب لأن الله أخبر أنه جعل النهار معاشا ، وفيه الانتشار للمعاش ، ولكن النشور مصدر من قول القائل : نشر ، فهو بالنشر من الموت والنوم أشبه ، كما صحت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا أصبح وقام من نومه : " والحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا ، وإليه النشور " . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً يقول تعالى ذكره : والله الذي أرسل الرياح الملقحة بُشْراً حياة أو من الحيا والغيث الذي هو منزله على عباده وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً يقول : وأنزلنا من السحاب الذي أنشأناه بالرياح من فوقكم أيها الناس ماء طهورا . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً يعني أرضا قحطة عذية لا تنبت . وقال بَلْدَةً مَيْتاً ولم يقل ميتة ، لأنه أريد بذلك لنحيي به موضعا ومكانا ميتا وَنُسْقِيَهُ من خلقنا أَنْعاماً من البهائم وَأَناسِيَّ كَثِيراً يعني الأناسي : جمع إنسان وجمع أناسي ، فجعل الياء عوضا من النون التي في إنسان ، وقد يجمع إنسان : إناسين ، كما يجمع النشيان : نشايين . فإن قيل :