محمد بن جرير الطبري
15
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أناسي جمع واحده إنسي ، فهو مذهب أيضا محكي ، وقد يجمع أناسي مخففة الياء ، وكأن من جمع ذلك كذلك أسقط الياء التي بين عين الفعل ولامه ، كما يجمع القرقور : قراقير وقراقر . ومما يصحح جمعهم إياه بالتخفيف ، قول العرب : أناسية كثيرة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً يقول تعالى ذكره : ولقد قسمنا هذا الماء الذي أنزلناه من السماء طهورا لنحيي به الميت من الأرض بين عبادي ، ليتذكروا نعمي عليهم ، ويشكروا أيادي عندهم وإحساني إليهم ، فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً يقول : إلا جحودا لنعمي عليهم ، وأيادي عليهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قال : سمعت الحسن بن مسلم يحدث طاوسا ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ما عام بأكثر مطرا من عام ، ولكن الله يصرفه بين خلقه ؛ قال : ثم قرأ : وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، قال : ثنا الحسين بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال ابن عباس : ما عام بأكثر مطرا من عام ، ولكنه يصرفه في الأرضين ، ثم تلا وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ قال : المطر ينزله في الأرض ، ولا ينزله في الأرض الأخرى ، قال : فقال عكرمة : صرفناه بينهم ليذكروا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا قال : المطر مرة هاهنا ، ومرة هاهنا . حدثنا سعيد بن الربيع الرازي ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن يزيد بن أبي زياد ، انه سمع أبا جحيفة يقول : سمعت عبد الله بن مسعود يقول : ليس عام بأمطر من عام ، ولكنه يصرفه ، ثم قال عبد الله : وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ . وأما قوله : فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً فكما حدثنا قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً قال : قولهم في الأنواء . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً يقول تعالى ذكره : ولو شئنا يا محمد لأرسلنا في كل مصر ومدينة نذيرا ينذرهم بأسنا على كفرهم بنا ، فيخف عنك كثير من أعباء ما حملناك منه ، ويسقط عنك بذلك مؤنة عظيمة ، ولكنا حملناك ثقل نذارة جميع القرى ، لتستوجب بصبرك عليه إن صبرت ما أعد الله لك من الكرامة عنده ، والمنازل الرفيعة قبله ، فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فيما يدعونك إليه من أن تعبد آلهتهم ، فنذيقك ضعف الحياة وضعف الممات ، ولكن جاهدهمبهذا القرآن جهادا كبيرا ، حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله ، ويدينوا به ويذعنوا للعمل بجميعه طوعا وكرها . وبنحو الذي قلنا في قوله : وَجاهِدْهُمْ بِهِ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : قوله فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ قال : بالقرآن . وقال آخرون في ذلك بما . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً قال : الإسلام . وقرأ : وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وقرأ : وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وقال : هذا الجهاد الكبير . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا يقول تعالى ذكره : والله الذي خلط البحرين ، فأمرج أحدهما في الآخر ، وأفاضه فيه . وأصل المرج الخلط ، ثم يقال للتخلية : مرج ، لأن الرجل إذا خلى الشيء حتى اختلط بغيره ، فكأنه قد مرجه ؛ ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله