محمد بن جرير الطبري

11

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يصنع ، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها التي كانت فيه فالتمسه فلم يجده ، وقد كان بدا لقومه فيه بداء ، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه ، قال : فكان النبي عليه الصلاة والسلام يسألهم عن ذلك الأسود : ما فعل فيقولون : ما ندري ، حتى قبض الله النبي ، فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة " غير أن هؤلاء في هذا الخبر يذكر محمد بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم آمنوا بنبيهم واستخرجوه من حفرته ، فلا ينبغي أن يكونوا المعنيين بقوله : وَأَصْحابَ الرَّسِّ لأن الله أخبر عن أصحاب الرس أنه دمرهم تدميرا ، إلا أن يكونوا دمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم الذي استخرجوه من الحفرة وآمنوا به ، فيكون ذلك وجها . وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً يقول : ودمرنا بين أضعاف هذه الأمم التي سميناها لكم أمما كثيرة . كما : حدثنا الحسن بن شبيب ، قال : ثنا خلف بن خليفة ، عن جعفر بن علي بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خلفت بالمدينة عمي عم جعفر بن علي ممن يفتي على أن القرن سبعون سنة ، وكان عمه عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي رضي الله عنه . حدثنا عمرو بن عبد الحميد ، قال : ثنا حفص بن غياث ، عن الحجاج ، عن الحكم ، عن إبراهيم قال : القرن أربعون سنة . وقوله وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ يقول تعالى ذكره : وكل هذه الأمم التي أهلكناها التي سميناها لكم أو لم نسمها ضربنا له الأمثال ، يقول : مثلنا له الأمثال ونبهناها على حججنا عليها ، وأعذرنا إليها بالعبر والمواعظ ، فلم نهلك أمة إلا بعد الإبلاغ إليهم في المعذرة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ قال : كل قد أعذر الله إليه ، ثم انتقم منه . وقوله : وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً يقول تعالى ذكره : وكل هؤلاء الذين ذكرنا لكم أمرهم استأصلناهم ، فدمرناهم بالعذاب إبادة ، وأهلكناهم جميعا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن ، في قوله : وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً قال : تبر الله كلا بعذاب تتبيرا . حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير : وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً قال : تتبير بالنبطية . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قوله : وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً قال : بالعذاب . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يقول تعالى ذكره : ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجورا على القرية التي أمطرها الله مطر السوء وهي سدوم ، قرية قوم لوط . ومطر السوء : هو الحجارة التي أمطرها الله عليهم فأهلكهم بها . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قال : حجارة ، وهي قرية قوم لوط ، واسمها سدوم . قال ابن عباس : خمس قريات ، فأهلك الله أربعة ، وبقيت الخامسة ، واسمها صعوة . لم تهلك صعوة . كان أهلها لا يعملون ذلك العمل ، وكانت سدوم أعظمها ، وهي التي نزل بها لوط ، ومنها بعث . وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم ينادي نصيحة لهم : يا سدوم ، يوم لكم من الله ، أنهاكم أن تعرضوا لعقوبة الله ، زعموا أن لوطا ابن أخي إبراهيم صلوات الله عليهما . وقوله : أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها يقول جل ثناؤه . أو لم يكن هؤلاء المشركون الذين قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء يرون تلك القرية ، وما نزل بها من عذاب الله بتكذيب أهلها رسلهم ، فيعتبروا ويتذكروا ، فيراجعوا التوبة من كفرهم وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً يقول تعالى ذكره : ما كذبوا محمدا فيما جاءهم به من عند