محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الله ، لأنهم لم يكونوا رأوا ماحل بالقرية التي وصفت ، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشورا بعد الممات ، يعني أنهم لا يوقنون بالعقاب والثواب ، ولا يؤمنون بقيام الساعة ، فيردعهم ذلك عما يأتون من معاصي الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً بعثا . القول في تأويل قوله تعالى : إِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا رآك هؤلاء المشركون الذين قصصت عليك قصصهم إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً يقول : ما يتخذونك إلا سخرية يسخرون منك ، يقولون : أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ إلينا رَسُولًا من بين خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها يقول تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء المشركين الذين كانوا يهزءون برسول الله صلى الله عليه وسلم : إنهم يقولون إذا رأوه : قد كاد هذا يضلنا عن آلهتنا التي نعبدها ، فيصدنا عن عبادتها لولا صبرنا عليها ، وثبوتنا على عبادتها . وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ يقول جل ثناؤه : سيبين لهم حين يعاينون عذاب الله قد حل بهم على عبادتهم الآلهة مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا يقول : من الراكب غير طريق الهدى ، والسالك سبيل الردى أنت أوهم . وبنحو ما قلنا في تأويل قوله لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج : إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها قال : ثبتنا عليها . القول في تأويل قوله تعالى : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا . . . سَبِيلًا يعني تعالى ذكره : أَ رَأَيْتَ يا محمد مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ شهوته التي يهواها ؛ وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر ، فإذا رأى أحسن منه رمى به ، وأخذ الآخر يعبده ، فكان معبوده وإلهه ما يتخيره لنفسه ؛ فلذلك قال جل ثناؤه أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ، أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا يقول تعالى ذكره : أفأنت تكون يا محمد على هذا حفيظا في أفعاله مع عظيم جهله ؟ أَمْ تَحْسَبُ يا محمد أن أكثر هؤلاء المشركين يَسْمَعُونَ ما يتلى عليهم ، فيعون أَوْ يَعْقِلُونَ ما يعاينون من حجج الله ، فيفهمون ؟ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ يقول : ما هم إلا كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها ، ولا تفقه ، بل هم من البهائم أضل سبيلا لأن البهائم تهتدي لمراعيها ، وتنقاد لأربابها ، وهؤلاء الكفرة لا يطيعون ربهم ، ولا يشكرون نعمة من أنعم عليهم ، بل يكفرونها ، ويعصون من خلقهم وبرأهم . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ . . . يَسِيراً يقول تعالى ذكره : أَ لَمْ تَرَ يا محمد كَيْفَ مَدَّ ربك الظِّلَّ وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ يقول : ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ قال : مده ما بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً قال : ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . حدثنا محمد بن عبد الله