محمد بن جرير الطبري
10
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تأويل قوله تعالى : وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ . . . لِلظَّالِمِينَ يقول تعالى ذكره : وقوم نوح لما كذبوا رسلنا ، وردوا عليهم ما جاءوهم به من الحق ، أغرقناهم بالطوفان وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً يقول : وجعلنا تغريقنا إياهم وإهلاكنا عظة وعبرة للناس يعتبرون بها وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً يقول : وأعددنا لهم من الكافرين بالله في الآخرة عذابا أليما ، سوى الذي حل بهم من عاجل العذاب في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ يقول تعالى ذكره : ودمرنا أيضا عادا وثمود وأصحاب الرس . واختلف أهل التأويل في أصحاب الرس ، فقال بعضهم : أصحاب الرس من ثمود . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : وَأَصْحابَ الرَّسِّ قال : قرية من ثمود . وقال آخرون : بل هي قرية من اليمامة يقال لها الفلج ذكر من قال ذلك : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : ثنا جرير بن حازم ، قال : قال قتادة : الرس : قرية من اليمامة يقال لها الفلج . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال عكرمة : أصحاب الرس بفلج هم أصحاب يس . وقال آخرون : هم قوم رسوا نبيهم في بئر . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي بكر ، عن عكرمة ، قال : كان الرس بئرا رسوا فيها نبيهم . وقال آخرون : هي بئر كانت تسمى الرس . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، وَأَصْحابَ الرَّسِّ قال : هي بئر كانت تسمى الرس . حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي يحيى عن مجاهد في قوله : وَأَصْحابَ الرَّسِّ قال : الرس بئر كان عليها قوم . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك ، قول من قال : هم قوم كانوا على بئر ، وذلك أن الرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك ؛ ومنه قول الشاعر : سبقت إلى فرط باهل * تنابلة يحفرون الرساسا يريد أنهم يحفرون المعادن ، ولا أعلم قوما كانت لهم قصة بسبب حفرة ، ذكرهم الله في كتابه إلا أصحاب الأخدود ، فإن يكونوا هم المعنيين بقوله وَأَصْحابَ الرَّسِّ فإنا سنذكر خبرهم إن شاء الله إذا انتهينا إلى سورة البروج ، وإن يكونوا غيرهم فلا نعرف لهم خبرا ، إلا ما جاء من جملة الخبر عنهم أنهم قوم رسوا نبيهم في حفرة . إلا ما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود " . وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن من أهلها أحد إلا ذلك الأسود ، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي عليه الصلاة والسلام ، فحفروا له بئرا فألقوه فيها ، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم ، قال : وكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ، فيشتري به طعاما وشرابا ، ثم يأتي به إلى ذلك البئر ، فيرفع تلك الصخرة ، فيعينه الله عليها ، فيدلي إليه طعامه وشرابه ، ثم يعيدها كما كانت ، قال : فكان كذلك ما شاء الله أن يكون . ثم إنه ذهب يوما يحتطب ، كما كان يصنع ، فجمع حطبه ، وحزم حزمته وفرغ منها ؛ فلما أراد أن يحتملها وجد سنة ، فاضطجع فنام ، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما . ثم إنه هب فتمطى ، فتحول لشقة الآخر ، فاضطجع ، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى . ثم إنه هب فاحتمل حزمته ، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار ، فجاء إلى القرية فباع حزمته ، ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان