محمد بن جرير الطبري
3
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يرفعون أبصارهم فيها إلى السماء قبل نزولها ، فنهوا بهذه الآية عن ذلك . ذكر الرواية بذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت خالد ا ، عن محمد بن سيرين ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى نظر إلى السماء ، فأنزلت هذه الآية : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ قال : فجعل بعد ذلك وجهه حيث يسجد . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا هارون بن المغيرة عن أبي جعفر ، عن الحجاج الصواف ، عن ابن سيرين ، قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء ؛ حتى نزلت : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ فقالوا بعد ذلك برءوسهم هكذا . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا أيوب ، عن محمد ، قال : " نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء ، فنزلت آية إن لم تكن الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ فلا أدري أية آية هي قال : فطأطأ " . قال : وقال محمد : وكانوا يقولون : لا يجاوز بصره مصلاه ، فإن كان قد استعاد النطر فليغمض الصلاة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، عن ابن عون ، عن محمد نحوه . واختلف أهل التأويل في الذي عني به في هذا الموضع من الخشوع ، فقال بعضهم : عني به سكون الأطراف في الصلاة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ قال : السكون فيها الصلاة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ قال : سكون المرء في صلاته الصلاة . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، مثله . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن أبي سفيان الشيباني ، عن رجل ، عن علي ، قال : سئل عن قوله : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ الصلاة قال : لا تلتفت في صلاتك . حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي ، قال : قال ضمرة بن ربيعة ، عن أبي شوذب ، عن الحسن ، في قوله : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ الصلاة قال : كان خشوعهم في قلوبهم ، فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الجناح . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم ، في قوله : خاشِعُونَ قال : الخشوع في القلب ، وقال : ساكنون الصلاة . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسن ، قال : ثني خالد بن عبد الله ، عن المسعودي ، عن أبي سنان ، عن رجل من قومه ، عن علي رضي الله عنه ، قال : الصلاة الخشوع في القلب ، وأن تلين للمرء المسلم كنفك ، ولا تلتفت . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عطاء بن أبي رباح ، في قوله : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ قال : التخشع في الصلاة . وقال لي غير عطاء : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويساره ووجاهه ، حتى نزلت : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ فما رؤي بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض . وقال آخرون : الصلاة عني به الخوف في هذا الموضع . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ الصلاة قال : خائفون . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، في قوله : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ الصلاة قال الحسن : خائفون . وقال قتادة : الخشوع في القلب . حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ الصلاة يقول : خائفون ساكنون . وقد بينا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلل والخضوع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وإذ كان ذلك كذلك ، ولم يكن الله تعالى ذكره دل على أن مراده من ذلك معنى دون معنى في عقل ولا خبر ، كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم . وإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام ما وصفت من قبل من أنه : والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته ، وإذا