محمد بن جرير الطبري

40

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

القول . وقوله : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقل يا محمد رب أستجير بك من خنق الشياطين وهمزاتها ، والهمز : هو الغمز ، ومن ذلك قيل للهمز في الكلام : همزة ، والهمزات جمع همزة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرني ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ قال : همزات الشياطين : خنقهم الناس ، فذلك همزاتهم . وقوله : وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ يقول : وقل أستجير بك رب أن يحضرون في أموري . كالذي : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ في شيء من أمري . القول في تأويل قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . . . لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً يقول تعالى ذكره : حتى إذا جاء أحد هؤلاء المشركين الموت ، وعاين نزول أمر الله به ، قال لعظيم ما يعاين مما يقدم عليه من عذاب الله تندما على ما فات وتلهفا على ما فرط فيه قبل ذلك من طاعة الله ومسألته للإقالة : رَبِّ ارْجِعُونِ إلى الدنيا فردوني إليها ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً يقول : كي أعمل صالحا فيما تركت قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي معشر ، قال : كان محمد بن كعب القرظي يقرأ علينا : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ قال محمد : إلى أي شيء يريد ؟ إلى أي شيء يرغب ؟ أجمع المال ، أو غرس الغراس ، أو بني بنيان ، أو شق أنهار ؟ ثم يقول : لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ يقول الجبار : كلا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : رَبِّ ارْجِعُونِ قال : هذه في الحياة الدنيا ، ألا تراه يقول : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قال : حين تنقطع الدنيا ويعاين الآخرة ، قبل أن يذوق الموت . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة : " إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا : نرجعك إلى الدنيا ؟ فيقول : إلى دار الهموم والأحزان ؟ فيقول : بل قدماني إلى الله . وأما الكافر فيقال : نرجعك ؟ فيقول : لعلي أعمل صالحا فما تركت " الآية . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ يعني أهل الشرك . وقيل : " رب ارجعون " ، فابتدأ الكلام بخطاب الله تعالى ، ثم قيل : " ارجعون " ، فصار إلى خطاب الجماعة ، والله تعالى ذكره واحد . وإنما فعل ذلك كذلك ، لأن مسألة القوم الرد إلى الدنيا إنما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحهم ، كما ذكر ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله . وإنما ابتدئ الكلام بخطاب الله جل ثناؤه ، لأنهم استغاثوا به ، ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع والرد إلى الدنيا . وكان