محمد بن جرير الطبري

14

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يقول لنوح : اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين . وَأَهْلَكَ وهم ولده ونساؤهم . إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ من الله بأنه ها لك فيمن يهلك من قومك فلا تحمله معك ، وهو يام الذي غرق . ويعني بقوله : مِنْهُمْ من أهلك ، والهاء والميم في قوله " منهم " من ذكر الأهل . وقوله : وَلا تُخاطِبْنِي الآية ، يقول : ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم . إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ يقول : فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ . . . نَجَّانا يعني تعالى ذكره بقوله : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومعك ممن حملته معك من أهلك ، راكبا فيها عاليا فوقها ؛ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني من المشركين . القول في تأويل قوله تعالى : وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام : وقل إذا سلمك الله وأخرجك من الفلك فنزلت عنها : رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا من الأرض مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ من أنزل عباده المنازل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : مُنْزَلًا مُبارَكاً قال : لنوح حين نزل من السفينة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد ، مثله . واختلفت القراء في قراءة ذلك . فقرأته عامة قراء الأمصار : رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً بضم الميم وفتح الزاي . بمعنى : أنزلني إنزالا مباركا . وقرأه عاصم : " منزلا " بفتح الميم وكسر الزاي . بمعنى : أنزلني مكانا مباركا وموضعا . وقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يقول تعالى ذكره : إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد من إهلاكنا هم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام ، لعبرا لقومك من مشركي قريش ، وعظات وحججا لنا ، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم ، فينزجروا عن كفرهم ويرتدعوا عن تكذيبك ، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب . وقوله : وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ يقول تعالى ذكره : وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا ، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ . . . أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يقول تعالى ذكره : ثم أحدثنا من بعد مهلك قوم نوح قرنا آخرين فأوجدناهم . فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ داعيا لهم ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يا قوم ، وأطيعوه دون الآلهة والأصنام ،