محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فإن العبادة لا تنبغي إلا له . ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول : ما لكم من معبود يصلح أن تعبدوا سواه . أَ فَلا تَتَّقُونَ أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم شيئا دونه ، وهو الإله الذي لا إله لكم سواه . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ . . . فِي الْحَياةِ يقول تعالى ذكره : وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح . وعنى بالرسول في هذا الموضع : صالحا ، وبقومه : ثمود . الَّذِينَ . . . بِلِقاءِ الْآخِرَةِ يقول : الذين جحدوا توحيد الله . كَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ يعني كذبوا بلقاء الله في الآخرة . وقوله : وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يقول : ونعمناهم في حياتهم الدنيا بما وسعنا عليهم من المعاش وبسطنا لهم من الرزق ، حتى بطروا وعتوا على ربهم وكفروا ؛ ومنه قول الراجز : وقد أراني بالديار مترفا وقوله : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يقول : قالوا : بعث الله صالحا إلينا رسولا من بيننا ، وخصه بالرسالة دوننا ، وهو إنسان مثلنا يأكل مما نأكل منه من الطعام ويشرب مما نشرب ، وكيف لم يرسل ملكا من عنده يبلغنا رسالته ؟ قال : وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ معناه : مما تشربون منه ، فحذف من الكلام " منه " ، لأن معنى الكلام : ويشرب من شرابكم ، وذلك أن العرب تقول : شربت من شرابك . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ من قوم صالح لقومهم : وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ فاتبعتموه وقبلتم ما يقول وصدقتموه . إِنَّكُمْ أيها القوم إِذاً لَخاسِرُونَ يقول : قالوا : إنكم إذن لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة في الدنيا ، باتباعكم إياه . قوله : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً الآية ، يقول تعالى ذكره : قالوا لهم : أيعدكم صالح أنكم إذا متم وكنتم ترابا في قبوركم وعظاما قد ذهبت لحوم أجسادكم وبقيت عظامها ، أنكم مخرجون من قبوركم أحياء كما كنتم قبل مماتكم ؟ وأعيدت " أنكم " مرتين ، والمعنى : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون مرة واحدة ، لما فرق بين " أنكم " الأولى وبين خبرها ب " إذا " ، وكذلك تفعل العرب بكل اسم أوقعت عليه الظن وأخواته ، ثم اعترضت بالجزاء دون خبره ، فتكرر اسمه مرة وتحذفه أخرى ، فتقول : أظن أنك إن جالستنا أنك محسن ، فإن حذفت " أنك " الأولى أو الثانية صلح ، وإن أثبتهما صلح ، وإن لم تعترض بينهما بشيء لم يجز ، خطأ أن يقال : أظن أنك أنك جالس . وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " أيعدكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون " . القول في تأويل قوله تعالى : هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قول الملأ من ثمود أنهم قالوا : هَيْهاتَ هَيْهاتَ أي بعيد ما توعدون أيها القوم ، من أنكم