محمد بن جرير الطبري

13

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول : أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحل بكم . القول في تأويل قوله تعالى : فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . . . لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً يقول تعالى ذكره : فقالت جماعة أشراف قوم نوح ، الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه ، لقومهم : ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم ، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ، يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ يقول : يريد أن يصير له الفضل عليكم ، فيكون متبوعا وأنتم له تبع . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً يقول : ولو شاء الله أن لا نعبد شيئا سواه لأنزل ملائكة ، يقول : لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدي إليكم رسالته . وقوله : ما سَمِعْنا بِهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية ، وهي آباؤهم الأولون . القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ . . . الْفُلْكَ . . . إِلَّا مَنْ سَبَقَ يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ما نوح إلا رجل به جنون . وقد يقال أيضا للجن جنة ، فيتفق الاسم والمصدر ، و " هو " من قوله : إِنْ هُوَ كناية اسم نوح . وقوله : فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ يقول : فتلبثوا به ، وتنظروا به حتى حين ؛ يقول : إلى وقت ما . ولم يعنوا بذلك وقتا معلوما ، إنما هو كقول القائل : دعه إلى يوم ما ، أو إلى وقت ما . وقوله : قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ يقول : قال نوح داعيا ربه مستنصرا به على قومه ، لما طال أمره وأمرهم وتمادوا في غيهم : رَبِّ انْصُرْنِي على قومي بِما كَذَّبُونِ يعني بتكذيبهم إياي ، فيما بلغتهم من رسالتك ودعوتهم إليه من توحيدك . وقوله : فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ يقول : فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه : اصنع الفلك ، وهي السفينة بِأَعْيُنِنا يقول : بمرأى منا ومنظر ، وَوَحْيِنا يقول : وبتعليمنا إياك صنعتها . فَإِذا جاءَ أَمْرُنا يقول : فإذا جاء قضاؤنا في قومك ، بعذابهم وهلاكهم ؛ وَفارَ التَّنُّورُ وقد ذكرنا اختلاف المختلين في صفت فور التنور والصواب عندنا من القول فيه بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يقول : فأدخل في الفلك واحمل . والهاء والألف في قوله : فِيها من ذكر الفلك . يقال سلكته في كذا وأسلكته فيه ؛ ومن سلكته قوم الشاعر : وكنت لزاز خصمك لم أعرد * وقد سلكوك في يوم عصيب وبعضهم يقول : أسلكت بالألف ؛ ومنه قولي الهذلي . حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا