محمد بن جرير الطبري

12

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تَنْبُتُ فقرأته عامة قراء الأمصار : تَنْبُتُ بفتح التاء ، بمعنى : تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن ، وقرأه بعض قراء البصرة : " تنبت " بضم التاء ، بمعنى : تنبت الدهن : تخرجه . وذكر أنها في قراءة عبد الله : " تخرج الدهن " وقالوا : الباء في هذا الموضع زائدة ، كما قيل : أخذت ثوبه وأخذت بثوبه ؛ وكما قال الراجز : نحن بنو جعدة أرباب الفلج * نضرب بالبيض ونرجو بالفرج بمعنى : ونرجو الفرج . والقول عندي في ذلك أنهما لغتان : نبت ، وأنبت ؛ ومن أنبت قول زهير : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل ويروى : " نبت " ، وهو كقوله : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ و " فاسر " . غير أن ذلك وإن كان كذلك ، فإن القراءة التي لا أختار غيرها في ذلك قراءة من قرأ : تَنْبُتُ بفتح التاء ، لإجماع الحجة من القراء عليها . ومعنى ذلك : تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ قال : بثمره . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . والدهن الذي هو من ثمره الزيت ، كما : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ يقول : هو الزيت يؤكل ويدهن به . وقوله : وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ يقول : تنبت بالدهن وبصبغ للآكلين ، يصطبغ بالزيت الذين يأكلونه . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ قال : هذا الزيتون صبغ للآكلين ، يأتدمون به ويصطبغون به . قال أبو جعفر : فالصبغ عطف على الدهن . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ لَكُمْ . . . عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : وَإِنَّ لَكُمْ أيها الناس فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً تعتبرون بها ، فتعرفون بها أيادي الله عندكم وقدرته على ما يشاء ، وأنه الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يعجزه شيء شاءه . نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها من اللبن الخارج من بين الفرث والدم . وَلَكُمْ مع ذلك فِيها يعني في الأنعام ، مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وذلك كالإبل التي يحمل عليها ويركب ظهرها ويشرب درها . وَمِنْها تَأْكُلُونَ يعني من لحومها تأكلون . وقوله : وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ يقول : وعلى الأنعام وعلى السفن تحملون ، على هذه في البر وعلى هذه في البحر . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ يقول تعالى ذكره : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا والبراءة من كل معبود سوانا . فَقالَ لهم نوح : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يقول : قال لهم : ذلوا يا قوم لله بالطاعة . ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول : مالكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره . أَ فَلا تَتَّقُونَ