محمد بن جرير الطبري
54
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حكيما في الصبا لم يسقط منزله عند الحكماء وهم يرون عليه من الله نور الكرامة ، ولكنكم قد أعجبتكم أنفسكم وظننتم أنكم عوفيتم بإحسانكم ، فهنالك بغيتم وتعززتم ، ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم ثم صدقتم أنفسكم لوجدتم لكم عيوبا سترها الله بالعافية التي ألبسكم ؛ ولكني قد أصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم ، قد كنت فيما خلا مسموعا كلامي معروفا حقي منتصفا من خصمي قاهرا لمن هو اليوم يقهرني مهيبا مكاني والرجال مع ذلك ينصتون لي ويوقروني ، فأصبحت اليوم قد انقطع رجائي ورفع حذري وملني أهلي وعقني أرحامي وتنكرت لي معارفي ورغب عني صديقي وقطعني أصحابي وكفرني أهل بيتي وجحدت حقوقي ونسيت صنائعي ، أصرخ فلا يصرخونني وأعتذر فلا يعذرونني ، وإن قضاءه هو الذي أذلني وأقماني وأخسأني ، وأن سلطانه هو الذي أسقمني وأنحل جسمي . ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي ، ثم كان ينبغي للعبد يحاج عن نفسه ، لرجوت أن يعافيني عند ذلك ما بي ؛ ولكنه ألقاني وتعالى عني ، فهو يراني ولا أراه ، ويسمعني ولا أسمعه لا نظر إلي فرحمني ، ولا دنا مني ولا أدناني فأدلي بعذري وأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي لما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده ، أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب ، ثم نودي منه ، ثم قيل له : يا أيوب ، إن الله يقول : ها أنا ذا قد دنوت منك ، ولم أزل منك قريبا ، فقم فأدل بعذرك الذي زعمت ، وتكلم ببراءتك وخاصم عن نفسك ، واشدد إزارك ثم ذكر نحو حديث ابن عسكر ، عن إسماعيل ، إلى آخره ، وزاد فيه : ورحمتي سبقت غضبي ، فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك ، وقد وهبت لك أهلك ومثلهم معهم ومالك ومثله معه وزعموا : ومثله معه لتكون لمن خلفك آية ، ولتكون عبرة لأهل البلاء وعزاء للصابرين فركض برجله ، فانفجرت له عين ، فدخل فيها فاغتسل ، فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء . ثم خرج فجلس ، وأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه ، فلم تجده ، فقامت كالوالهة متلددة ، ثم قالت : يا عبد الله ، هل لك علم بالرجل المبتلي الذي كان هاهنا ؟ قال : لا ؛ ثم تبسم ، فعرفته بمضحكه ، فاعتنقته . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه ، قال : فحدثت عبد الله بن عباس حديثه واعتناقها إياه ، فقال عبد الله : فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى مر بها كل مال لهما وولد . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : وقد سمعت بعض من يذكر الحديث عنه أنه دعاها حين سألت عنه ، فقال لها : وهل تعرفينه إذا رأيته ؟ قالت : نعم ، ومالي لا أعرفه ؟ فتبسم ، ثم قال : ها أنا هو ، وقد فرج الله عني ما كنت فيه . فعند ذلك اعتنقته . قال وهب : فأوحى الله في قسمه ليضربنها في الذي كلمته ، أن وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ أي قد برت يمينك . يقول الله تعالى : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ يقول الله : وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ . حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : ثنا فضيل بن عياض ، عن هشام ، عن الحسن ، قال : لقد مكث أيوب مطروحا على كناسة سبع سنين وأشهرا ما يسأل الله أن يكشف ما به . قال : وما على وجه الأرض