محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
خلق أكرم على الله من أيوب . فيزعمون أن بعض الناس قال : لو كان لرب هذا فيه حاجة ما صنع به هذا فعند ذلك دعا . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : بقي أيوب على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا تختلف عليه الدواب . حدثني محمد بن إسحاق ، قال : ثنا يحيى بن معين ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن وهب بن منبه ، قال : لم يكن بأيوب أكلة ، إنما كان يخرج به مثل ثدي النساء ثم ينقفه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا مخلد بن حسين ، عن هشام ، عن الحسن ، وحجاج عن مبارك ، عن الحسن : زاد أحدهما على الآخر قال : إن أيوب آتاه الله مالا وأوسع عليه ، وله من النساء والبقر والغنم والإبل . وإن عدو الله إبليس قيل له : هل تقدر أن تفتن أيوب ؟ قال : رب إن أيوب أصبح في دنيا من مال وولد ، ولا يستطيع أن لا يشكرك ، ولكن سلطني على ماله وولده فسترى كيف يطيعني ويعصيك قال : فسلطه على ماله وولده . قال : فكان يأتي بالماشية من ماله من الغنم فيحرقها بالنيران ، ثم يأتي أيوب وهو يصلي متشبها براعي الغنم ، فيقول : يا أيوب تصلي لربك ما ترك الله لك من ماشيتك شيئا من الغنم إلا أحرقها بالنيران ، وكنت ناحية فجئت لأخبرك . قال : فيقول أيوب : اللهم أنت أعطيت وأنت أخذت ، مهما تبقي نفسي أحمدك على حسن بلائك فلا يقدر منه على شيء ما يريد ثم يأتي ماشيته من البقر فيحرقها بالنيران ، ثم يأتي أيوب فيقول له ذلك ، ويرد عليه أيوب مثل ذلك . قال : وكذلك فعل بالإبل حتى ما ترك له من ماشية حتى هدم البيت على ولده ، فقال : يا أيوب أرسل الله على ولدك من هدم عليهم البيوت حتى هلكوا فيقول أيوب مثل ذلك . قال : رب هذا حين أحسنت إلي الإحسان كله ، قد كنت قبل اليوم يشغلني حب المال بالنهار ويشغلني حب الولد بالليل شفقة عليهم ، فالآن أفرغ سمعي وبصري وليلي ونهاري بالذكر والحمد والتقديس والتهليل فينصرف عدو الله من عنده لم يصب منه شيئا ما يريد . قال : ثم إن الله تبارك وتعالى قال : كيف رأيت أيوب ؟ قال إبليس : أيوب قد علم أنك سترد عليه ماله وولده ؛ ولكن سلطني على جسده ، فإن أصابه الضر فيه أطاعني وعصاك قال : فسلط على جسده ، فأتاه فنفخ فيه نفخة قرح من لدن قرنه إلى قدمه . قال : فأصابه البلاء بعد البلاء ، حتى حمل فوضع على مزبلة كناسة لبني إسرائيل . فلم يبق له مال ولا ولد ولا صديق ولا أحد يقربه غير زوجته ، صبرت معه بصدق ، وكانت تأتيه بطعام ، وتحمد الله معه إذا حمد ، وأيوب على ذلك لا يفتر من ذكر الله ، والتحميد والثناء على الله والصبر على ما ابتلاه الله . قال الحسن : فصرخ إبليس عدو الله صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيوب ؛ فاجتمعوا إليه وقالوا له : جمعتنا ، ما خبرك ؟ ما أعياك ؟ قال : أعياني هذا العبد الذي سألت ربي أن يسلطني على ماله وولده فلم أدع له مالا ولا ولدا ، فلم يزدد بذلك إلا صبرا وثناء على الله وتحميدا له ، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل ، لا يقربه إلا امرأته ، فقد افتضحت بربي ، فاستعنت بكم ، فأعينوني عليه قال : فقالوا له : أين مكرك ؟ أين علمك الذي أهلكت به من مضى ؟ قال : بطل ذلك كله في