محمد بن جرير الطبري
36
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ؟ قال أبو جعفر : وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام وبها كان مقامه أيام حياته ، وإن كان قد كان قدم مكة وبنى بها البيت وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر ؛ غير أنه لم يقم بها ولم يتخذها وطنا لنفسه ، ولا لوط ، والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما أنجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين . القول في تأويل قوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا . . . وَإِيتاءَ الزَّكاةِ يقول تعالى ذكره : ووهبنا لإبراهيم إسحاق ولدا ويعقوب ولد ولده ، نافلة له . واختلف أهل التأويل في المعني بقوله : نافِلَةً فقال بعضهم : عني به يعقوب خاصة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً يقول : ووهبنا له إسحاق ولدا ، ويعقوب ابن ابن نافلة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً والنافلة : ابن ابنه يعقوب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً قال : سأل واحدا فقال : رب هب لي من الصالحين فأعطاه واحدا ، وزاده يعقوب ؛ ويعقوب ولد ولده . وقال آخرون : بل عني بذلك إسحاق ويعقوب . قالوا : وإنما معنى النافلة : العطية ، وهما جميعا من عطاء الله أعطاهما إياه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان . عن ابن جريج ، عن عطاء ، في قوله : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً قال : عطية . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً قال : عطاء . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . قال أبو جعفر : وقد بينا فيما مضى قبل أن النافلة الفضل من الشيء يصير إلى الرجل من أي شيء كان ذلك ، وكلا ولديه إسحاق ويعقوب كان فضلا من الله تفضل به على إبراهيم وهبة منه له . وجائز أن يكون عنى به أنه آتاهما إياه جميعا نافلة منه له ، وأن يكون عنى أنه آتاه نافلة يعقوب ؛ ولا برهان يدل على أي ذلك المراد من الكلام ، فلا شيء أولى أن يقال في ذلك ما قال الله ووهب الله لإبراهيم إسحاق ويعقوب نافلة . وقوله : وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ يعني عاملين بطاعة الله ، مجتنبين محارمه . وعنى بقوله : كُلًّا إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب . وقوله : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا يقول تعالى ذكره : وجعلنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يؤتم بهم في الخير في طاعة الله في اتباع أمره ونهيه ، ويقتدي بهم ، ويتبعون عليه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا جعلهم الله أئمة يقتدي بهم في أمر الله . وقوله : يَهْدُونَ بِأَمْرِنا يقول : يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك ، ويدعونهم